آلاف يشيعون مجرم الحرب الصربي ملاديتش رغم احتجاجات أوروبا
France 24
F
France 24
المصدر الأصلي
شيّعت صربيا بأعداد غفيرة راتكو ملاديتش، القائد العسكري الصربي البوسني الذي توفي وهو يقضي عقوبة السجن المؤبد لجرائم حرب. تحدّي بلغراد التحذيرات الأوروبية بتكريم رجل أدين بارتكاب أول جريمة إبادة جماعية في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.
احتشد آلاف المشيّعين صباح الإثنين عند كنيسة القديس لوقا الأرثوذكسية الصغيرة ببلغراد لتكريم راتكو ملاديتش، الذي مات عن عمر يناهز 84 سنة في لاهاي بهولندا في السابع والعشرين من أغسطس/آب الماضي وهو يقضي عقوبة السجن المؤبد. أظهرت صربيا تحديها العلني للاتحاد الأوروبي بتشييع عسكري مهيب لرجل أدانته المحاكم الدولية بجرائم إبادة جماعية وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
ضاء جسد ملاديتش في الكنيسة لحضور العزاء، بينما استقرت رتبة الضابط العسكري وسيفه فوق التابوت المزين بالعلم الوطني الصربي، مع جنود يرتدون الزي العسكري يقفون بجانبه. وأفادت وسائل إعلام مقربة من الحكومة الصربية أن ملاديتش سيحظى بجنازة عسكرية كاملة، وأن بطريرك الكنيسة الأرثوذكسية الصربية بورفيريوس سيترأس الخدمة الجنائزية.
بالنسبة لكثيرين من الصرب، لا يزال ملاديتش يمثل رمزاً قومياً محترماً. قال ميلان دوبريتش، أحد المشيّعين الذين سافروا من كوسوفو للمشاركة في الجنازة: "كان رجلاً كرّس حياته كاملة للشعب الصربي. أنا فخور بأن الناس يتوافدون هذا الصباح لتكريمه كما يستحق".
توفي ملاديتش بعد قضائه جزءاً كبيراً من عقد في السجن. أدانته المحاكم الدولية بتنظيم مذبحة سريبرينتسا عام 1995 التي راح ضحيتها أكثر من ثمانية آلاف مسلم بوسني، والمسؤولية عن الحصار الذي استمر سنوات للعاصمة البوسنية سراييفو، وإنشاء معسكرات تجميع احتجزت فيها مدنيين غير صرب وجنوداً أعداء.
لم تقتصر ترتيبات الجنازة على الأسرة الخاصة بملاديتش؛ بل أرسلت الحكومة الصربية طائرة الأسبوع الماضي لنقل رفاته إلى بلغراد، وأقامت حفل تأبين عسكري يوم السبت الماضي في موقع رسمي تابع للجيش الصربي. وجاء ذلك تحدياً مباشراً للاتحاد الأوروبي، الذي كان قد حذّر صراحة من تكريم ملاديتش.
أثار هذا الموقف انتقادات حادة من قيادة الاتحاد الأوروبي. ألغت مارتا كوس، المفوضة الأوروبية المسؤولة عن ملف التوسع الأوروبي، زيارة مخطط لها إلى صربيا احتجاجاً على ما وصفته بـ"تمجيد ملاديتش"، قائلة إن "الهالة المقدسة التي تحيط بموته تتناقض مع القيم التي يقوم عليها مسار الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي". انضم عدد من المسؤولين الأوروبيين الآخرين إلى الانتقادات، فضلاً عن قادة إقليميين وأقارب ضحايا ملاديتش من نزاع البوسنة الذي أسفر عن مقتل أكثر من مائة ألف شخص وتشريد مليون آخرين قبل انتهاؤه عام 1995 بموجب اتفاق سلام برعاية أمريكية.
لكن الرئيس الصربي الشعبوي ألكسندار فوتشيتش، الذي كان قومياً متطرفاً سابقاً ودعم سياسات التوسع الصربي أثناء الحرب، رفع التحديات. اتهم كوس بـ"الكذب" وسخّر من انتقادات بروكسل، لكنه لم يحضر الجنازة بنفسه. يأتي موقفه هذا في سياق تصعيده للخطاب المعادي للغرب قبل انتخابات برلمانية مبكرة متوقعة الشهر المقبل، حيث يحاول استقطاب الناخبين بشحنة قومية.
صربيا، وهي دولة مرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي، تتحدى الانتقادات الدولية بشأن موقفها من دورها في الحرب. ظلّت الدول الغربية تتهمها بــ"الانحياز ضد الصرب" كما يقول المسؤولون الصربيون، بينما ترفض صربيا الاعتراف بأن سريبرينتسا شهدت إبادة جماعية، واصفة المذبحة بـ"جريمة مرعبة" فحسب.
منذ وفاة ملاديتش، سارع معجبوه القوميون إلى الاحتفاء برمزيته. نظموا سهرات تأبين، ورسموا سلسلة من الجداريات تحمل صورته في أنحاء بلغراد، وأشعلوا الألعاب النارية احتفاءً بذكراه. وليس هذا بالأول من نوعه؛ فقد دفنت صربيا العام الماضي نيبوجسا بافكوفيتش، رئيس هيئة الأركان العسكرية السابق والمدان بجرائم حرب أخرى، بنفس الكرامة العسكرية الكاملة في مقبرة مخصصة للشخصيات البارزة.
يأتي كل هذا في سياق عام تأخر فيه سعي صربيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، بسبب تراجع المعايير الديمقراطية وفشل الرئيس فوتشيتش في الانضمام إلى العقوبات الدولية ضد روسيا على غزوها لأوكرانيا.
يشير الخبراء إلى أن المأساة الحقيقية تكمن في نسيان الدروس. كانت سريبرينتسا منطقة آمنة محمية من قبل الأمم المتحدة وتأوي البوشناق (المسلمين البوسنيين)، لكن القوات الصربية اقتحمتها وأجبرت الرجال والفتيان على خلع ملابسهم وقتلتهم، ثم سحبت جثثهم بالجرافات إلى مقابر جماعية. بدأت الحرب بعد تفكك يوغوسلافيا السابقة، حين استولت الأقلية الصربية في البوسنة على مساحات واسعة من الأراضي البوسنية لتشكيل دولة خاصة بهم وتوحيدها مع صربيا.