يواجه مجتمع مكافحة الإرهاب تحديات متزايدة في توقع كيفية استخدام التكنولوجيا الحديثة في هجمات إرهابية جديدة. الخبراء يحذرون من أن القصور في الخيال الاستراتيجي قد يترك البلاد عرضة لتهديدات لم تتوقعها بعد.
بعد ربع قرن على هجمات 11 سبتمبر، يظل السؤال الذي يؤرق مجتمع الأمن القومي الأمريكي واحداً: ماذا لا نتوقعه؟
في الوقت الذي ننشغل فيه بمراقبة التهديدات المعروفة والمألوفة، قد نتجاهل بغفلة الأخطار الكامنة في التطورات التكنولوجية السريعة والمتسارعة. هذا هو الدرس الجوهري الذي يخلصت إليه مجموعة من محللي الأمن والخبراء المتخصصين في مكافحة الإرهاب.
في الأيام التي سبقت 11 سبتمبر، لم تكن أجهزة الاستخبارات الأمريكية تتخيل أن يستخدم الإرهابيون الطائرات المدنية كأسلحة. كان هذا تفصيلاً يخرج عن نطاق الخيال المؤسسي، رغم أن عناصر من التهديد كانت موجودة أمام الجميع. العبرة هنا ليست فقط عن الفشل الاستخباراتي، بل عن عجز الخيال الاستراتيجي نفسه.
اليوم، تواجه المؤسسات الأمنية معضلة مماثلة لكنها أكثر تعقيداً. فالتقدم السريع في مجالات الذكاء الاصطناعي والبيولوجيا التركيبية والأنظمة المستقلة والعملات المشفرة فتح آفاقاً جديدة تماماً لا تزال تطبيقاتها الإرهابية المحتملة غير واضحة المعالم.
لا تتمثل المشكلة في افتقار المحللين إلى الذكاء أو التكريس. إنها مشكلة بنيوية تعود إلى طبيعة الخيال ذاته. فالبشر يميلون إلى توقع التهديدات بناءً على أنماط تاريخية معروفة، وليس بناءً على احتمالات لم تحدث من قبل. وحينما يتعلق الأمر بتكنولوجيا ناشئة بسرعة فائقة، فإن هذا النمط من التفكير قد يصبح مصدراً للعمى الاستراتيجي.
أحد أبرز التحديات يتعلق بالثغرات في الاتصال بين المتخصصين. فخبراء التكنولوجيا لا يتحدثون دائماً بلغة محللي الإرهاب، والعكس صحيح. هذا الفراغ في الحوار يعني أن التطبيقات الضارة المحتملة للتقنيات الجديدة قد لا تحظى بالاهتمام الكافي إلا بعد فوات الأوان.
علاوة على ذلك، هناك نقص في البيئات التي تسمح باستكشاف السيناريوهات المستقبلية بصراحة وشجاعة فكرية حقيقية. إن التفكير في أسوأ الاحتمالات يتطلب قبولاً بالغموض والخطأ المحتمل. لكن المؤسسات الحكومية والعسكرية غالباً ما تسعى إلى تقليص عدم اليقين، وليس احتضانه.
هذا لا يعني أن مجتمع الأمن القومي كسول أو غير مستعد. إن التحديات التي يواجهها حقيقية وعميقة. إن قدرتنا على توقع الأخطار المستقبلية محدودة بطبيعتها، وكل ما يمكننا فعله هو بناء أنظمة أكثر مرونة وقدرة على التكيف.
لكن الوقت قد حان لإعادة تقييم عميقة للطريقة التي نفكر بها حول المخاطر الناشئة. يتطلب ذلك استثماراً أكبر في الأبحاث المتعددة التخصصات، وتعزيز الحوار بين التكنولوجيين والأمنيين، وتشجيع ثقافة من الفضول الفكري الجريء داخل المؤسسات الأمنية نفسها.
في نهاية المطاف، قد لا نتمكن أبداً من التنبؤ بدقة بشكل الهجوم الإرهابي القادم. لكننا يمكن أن نعمل على تطوير عقل جماعي أكثر استعداداً للمفاجآت، وأكثر استعداداً لتخيل ما قد يبدو في البداية غير قابل للتخيل.