رغم أن مصلحة جميع الأطراف تقتضي إنهاء القتال في أوكرانيا، فإن الحسابات السياسية والعسكرية المعقدة تجعل التوصل إلى تسوية سلام حقيقية مهمة شبه مستحيلة. ستيفن والت يحلل الأسباب الجذرية التي تعوق جهود السلام رغم مساعي الوسطاء الدوليين.
مرّ أكثر من عام منذ كتبت شيئاً طويلاً بشأن الحرب في أوكرانيا، وأعتذر عن هذا الغياب. أحداث أخرى استحوذت على انتباهي للأسف، رغم أن هذا الصراع يمثل مأساة مستمرة ولا يزال يلقي بظلاله الثقيلة على أحداث أخرى حول العالم. التقرير الأخير لزميلي رافي أغراوال عن زيارته أعادني إلى هذا الموضوع، ودفعني للتأمل حول وضع الصراع اليوم وما يمكن فعله لإنهاؤه بعد مرور ما يقارب خمس سنوات.
من يقترب من هذا الموضوع يجب أن يتحلى بالتواضع، فلا أحد حصل على كل شيء بشكل صحيح. أنا نفسي لم أتوقع أن يقدم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على الغزو عام 2022، لأنني اعتقدت أن هذه خطوة ستكون خطأ استراتيجياً يترك روسيا في وضع أسوأ على المدى الطويل. ما زلت أعتقد أنني كنت محقاً في هذا التقييم، لكنني بوضوح أخطأت في فهم حسابات بوتين. منذ ذلك الحين، فشلت أعداد كبيرة من صناع السياسة والمحللين مراراً وتكراراً في رؤية الاتجاه الذي كانت تسير إليه الأمور، متأرجحين بين تفاؤل غير واقعي واستسلام كئيب. وقادة الدول لم يكونوا أفضل حالاً: بوتين أخطأ في حسابه بأن الحرب ستنتهي في بضعة أيام، وإدارة بايدن في البداية توقعت انهيار كييف سريعاً.
الآن، بعد أن دخلنا السنة الخامسة من هذا الصراع المدمر، يبدو أن السؤال ليس إذا ستنتهي الحرب، بل متى وكيف ستنتهي. الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد بدأ جهوداً للتوسط، واستضاف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والقادة الأوروبيين في البيت الأبيض في محاولة لترتيب لقاءات سلام. بوتين، من جهته، زار ألاسكا للمرة الأولى منذ أمر بالغزو عام 2022، في إشارة قد تعكس استعداداً للتفاوض.
لكن المشهد على الأرض يظل معقداً. الخسائر البشرية فادحة، وعشرات الآلاف من الجنود من الطرفين قد سقطوا. الاقتصاد الأوكراني مرتعش، والبنية التحتية مدمرة، والملايين من الأوكرانيين بحثوا عن ملجأ خارج أوطانهم. من جانبها، روسيا تواجه عزلة دولية، وعقوبات اقتصادية صارمة، وتحديات عسكرية لم تتوقعها.
في مثل هذه الظروف، قد يبدو أن الجميع لديهم حافز قوي للجلوس على طاولة المفاوضات والتوصل إلى حل وسط. لكن الواقع أكثر تعقيداً بكثير.
العقبة الأولى تكمن في أن كلا الجانبين لا يزال يرى احتمالاً لتحقيق انتصار عسكري أو على الأقل تحسين موقعه قبل التفاوض. روسيا تسيطر على حوالي 20 في المئة من الأراضي الأوكرانية، وتتمتع بأفضلية سكانية واضحة في إمكانياتها الدفاعية. أوكرانيا، من جانبها، لم تستسلم لفكرة أن تفقد أراضيها للأبد، وتراهن على أن الدعم الغربي المستمر قد يسمح لها بالقتال لسنوات أخرى، أو حتى بشن عمليات هجومية لاستعادة الأراضي المفقودة.
العقبة الثانية هي أن أي اتفاق سلام سيترتب عليه خسائر سياسية حقيقية لزعماء كلا البلدين. بالنسبة لبوتين، فإن الاعتراف بأن الحرب الاستباقية لم تحقق أهدافها سيشكل ضربة قاسية لشرعيته السياسية. أما بالنسبة لزيلينسكي، فإن التخلي عن أراضٍ أوكرانية يعني الاعتراف بالهزيمة أمام شعب غاضب بحق فقد الكثير في هذا الصراع. كل قائد يواجه معضلة: إنهاء الحرب قد يكون ضرورياً، لكنه سيكون باهظ الثمن سياسياً.
العقبة الثالثة تتعلق بالثقة والتحقق من التنفيذ. أي اتفاق سلام سيحتاج إلى ضمانات أمنية قوية من أجل منع حدوث نزاع مستقبلي. لكن الثقة بين موسكو وكييف وعواصم الناتو قد تضررت بشدة. من سيضمن الامتثال للاتفاق؟ كيف يمكن للجانبين أن يثقا ببعضهما البعض بعد سنوات من الحرب الوحشية والخسائر الكارثية؟
العقبة الرابعة تتمثل في تعقيد الجغرافيا السياسية الأوسع. أوكرانيا ترغب في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، وهو ما تعارضه روسيا بشدة. روسيا ترغب في الحصول على اعترافات بمجالها النفوذي، بينما الغرب يرفض الاعتراف بأي حق لروسيا في فرض إرادتها على دول مجاورة. هذه الانقسامات الأيديولوجية والاستراتيجية تجعل التوصل إلى حل وسط متوازن أمراً بالغ الصعوبة.
العقبة الخامسة تكمن في دور الدول الأخرى. الصين قد لا تكون حريصة على سلام سريع إذا كانت تعتقد أن الحرب تضعف الغرب. بعض دول الناتو قد تكون لديها مصالح متضاربة بشأن مستقبل الصراع. حتى داخل إدارة ترامب، قد تكون هناك وجهات نظر متعددة حول ما يشكل تسوية عادلة.
كل هذه العوامل مجتمعة تشرح لماذا إنهاء هذه الحرب يظل مهمة شبه مستحيلة، حتى عندما تكون مصلحة الجميع — على الورق على الأقل — في السلام. الحقيقة المرّة هي أن المصالح المحددة للاعبين الرئيسيين متضاربة بعمق، وأن التكاليف السياسية والعسكرية للتنازل عن الموقف عالية جداً.
ما قد يحدث بدلاً من ذلك هو أن الحرب قد تندلع ببطء إلى حالة توازن مؤلم — حيث تستمر القتالات على مستوى منخفض نسبياً، لكن لا يوجد اختراق عسكري حقيقي من أي من الجانبين. هذا السيناريو قد يكون الأسوأ من بين جميع الاحتمالات، لأنه يعني أن المعاناة ستستمر، والخسائر ستتراكم، والتأثيرات الاقتصادية والجيوسياسية ستظل عميقة لسنوات قادمة.
إذا كان هناك أي أمل لسلام حقيقي، فيجب على الزعماء أن يتحلوا بشجاعة للاعتراف بأن الانتصار العسكري الكامل غير ممكن لأي من الجانبين، وأن التكاليف المستمرة للحرب تفوق أي منفعة محتملة. عليهم أن يجدوا طريقة لحفظ ماء الوجه سياسياً بينما يعترفون بالواقع على الأرض. وعليهم أن يعملوا مع المجتمع الدولي لإنشاء آليات ثقة وتحقق من شأنها أن تضمن استقرار أي اتفاق سلام.
لكن حتى مع أفضل الإرادة والنوايا، فإن تحقيق ذلك سيبقى تحدياً هائلاً. لا ينبغي أن نتفاجأ إذا استمرت هذه الحرب لسنوات أخرى، حتى إذا بدا أن الجميع يريدون إنهاءها.