تركز الدبلوماسية الأمريكية تجاه روسيا على تسوية أوكرانيا، لكنها تغفل عن قضايا أوسع تتطلب قنوات دبلوماسية مستدامة وقدرات مؤسسية حقيقية. خبراء يحذرون من أن العزلة المتراكمة لروسيا منذ 2014 أضعفت البنية التحتية الأمريكية اللازمة للتفاوض الفعال مع نظير صعب ومعقد.
دبلوماسية أمريكية متقطعة تجاه روسيا
بعد أكثر من ستة أشهر من الجمود في المحادثات الموساطة أمريكياً، أرسلت واشنطن المبعوثين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى موسكو وكييف للاجتماع برئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.
تُحسّب واشنطن فعلاً لاستئناف المحادثات، غير أن سياستها الدبلوماسية تجاه روسيا تبقى متقطعة الخيط وغير منتظمة. اللقاءات التي أجراها ويتكوف وكوشنر في العاصمتين الروسية والأوكرانية لم تسفر عن اختراق حقيقي، وليس ثمة مؤشرات قوية على أن أياً من الطرفين تحرك كثيراً بشأن الملفات الأساسية. والدبلوماسية العالية المستوى، على أهميتها، لا تستطيع أن تحل محل القنوات الرسمية المستمرة والقدرات المؤسسية الراسخة.
إلا أنه بغض النظر عما إذا أسفرت هذه المحاولة الأخيرة عن نتائج ملموسة، فإن الحرب في أوكرانيا ستنتهي حتماً على طاولة المفاوضات. صحيح أن ما يجري على الأرض سيحدد شروط أي هدنة أو تسوية، لكن هذا ليس بديلاً عن التفاوض نفسه. الروس والأوكرانيون سيضطرون في النهاية إلى التوصل إلى شروط يستطيع كل منهما التعايش معها، وأي اتفاق دائم سيتطلب حتماً مشاركة أمريكية عميقة ومستدامة.
إدارة النزاع الأوكراني، مهمة كانت، ستكون مجرد البداية وليس النهاية للمفاوضات الأمريكية الروسية. على موسكو وواشنطن أن تتعاملا مع بعضهما أيضاً بشأن المخاطر النووية والاستقرار الاستراتيجي والفضاء الخارجي والقطب الشمالي والأوبئة والاستجابة للكوارث، وقوائم طويلة من الملفات الأخرى. لا يتطلب أي من هذا عودة إلى علاقات "طبيعية"، فضلاً عن الثقة أو الصداقة. يتطلب أمراً أكثر بساطة: القدرة على إجراء أعمال صعبة مع شريك صعب حينما تقتضي المصالح الأمريكية المهمة ذلك.
المشكلة أنه بعد أكثر من عقد من الضغط المتزايد والعزلة، لاسيما منذ 2014، فقدت الولايات المتحدة قدراً كبيراً من هذه الإمكانية.
ثمة أسباب وجيهة لفرض تكاليف على روسيا. عدوانية موسكو ضد أوكرانيا وتدخلها في الأنظمة السياسية الغربية وقمعها داخلياً وموقفها المعادي المتزايد على الصعيد الخارجي استحقت كل هذه العقوبات. غير أن السياسات تخلق تأثيرات ثانوية متعددة. من بينها كان تدهور البنية التحتية البشرية والمؤسسية التي كانت واشنطن تدير بها في يوم من الأيام علاقتها المستدامة مع موسكو.
هذا يأتي بأهمية كبرى لأن الروس مفاوضون صعبون. أجيال من المسؤولين الأمريكيين والخبراء الذين جلسوا على الطاولة مقابل نظرائهم الروس خرجوا تحت انطباع قوي بانضباطهم وتحضيراتهم. قالت السفيرة روز جوتيموللر، التي فاوضت معاهدة START الجديدة، في حوار أجريته معها إن نظراءها الروس كانوا "مفاوضين من الطراز الأول"، مدربين بعناية فائقة وبارعين في عملية التفاوض وقادرين تقنياً وغالباً ما يتمتعون بأفضلية في مهارات اللغة.
المفاوضون الروس يميلون أيضاً إلى الانتباه الشديد للأمريكيين. وهذا يعكس عدم تناظر مستمراً في العلاقة. بالنسبة لموسكو، كانت واشنطن في أغلب الأحيان من بين أعلى أولوياتها في السياسة الخارجية. أما بالنسبة لواشنطن، فاضطرت روسيا أن تتنافس مع الصين والشرق الأوسط وأوروبا والإرهاب والتجارة والسياسة الداخلية وكل ما يحتل انتباه القوة العظمى. في فترة ما بعد الاتحاد السوفياتي، تذكر المسؤولون الأمريكيون المخضرمون نظراء روسيين كانوا يدرسون السياسة الأمريكية والشخصيات والديناميات المؤسسية بتفصيل استثنائي، بينما كان الأمريكيون أحياناً يصلون بفرق أقل خبرة وموارد محدودة بكثير.