لحم مستنبت في المختبرات: حلم أخلاقي يصطدم بواقع السوق
Financial Times
F
Financial Times
المصدر الأصلي
تواجه صناعة اللحوم المستنبتة في المختبرات تحديات اقتصادية حقيقية تعيق تحقيق طموحاتها الأخلاقية. رغم التقدم التكنولوجي والدعم المستثمرين، تبقى المنتجات باهظة الثمن وبعيدة عن القدرة التنافسية مع اللحوم التقليدية.
عندما وعد الباحثون والمستثمرون بلحم حقيقي ينتج في المفاعلات البيولوجية بدلاً من تربية الحيوانات، بدا الأمر وكأنه حل سحري لأزمة الغذاء العالمية والقلق البيئي والمخاوف الأخلاقية من استغلال الحيوانات. لكن الحقيقة العملية لهذا القطاع الناشئ تكشف عن فجوة واسعة بين النية الحسنة والواقع الاقتصادي القاسي.
شركات متعددة الجنسيات وشركات ناشئة حديثة استثمرت مليارات الدولارات في هذا المجال، معتقدة أنها ستغير صناعة الغذاء العالمية. غير أن التحديات التي تواجهها تتجاوز المشاكل التقنية وحدها. فالإنتاج بكميات تجارية كبيرة لا يزال مرتفع التكلفة بشكل كبير، مما يجعل منتجات اللحم المستنبت أغلى بكثير من نظيراتها التقليدية.
هذا التفاوت الكبير في الأسعار يشكل عقبة جوهرية أمام اقتحام اللحوم المستنبتة للسوق الشامل. فالمستهلكون، حتى وإن اقتنعوا بالحجج الأخلاقية والبيئية، قد لا يكونون على استعداد لدفع أضعاف السعر من أجل قيم معنوية. والتاريخ الاقتصادي يوضح أن المنتجات الأخلاقية لم تتمكن من السيادة في السوق إلا بعد أن أصبحت في متناول عامة الناس من حيث السعر.
تكاليف البحث والتطوير ضخمة، والبنية التحتية الضرورية لإنتاج اللحم المستنبت على نطاق تجاري معقدة وثقيلة الاستثمار. العملية تتطلب خلايا حيوانية حية، وسوائل غذائية متخصصة، وأنظمة تحكم دقيقة بالبيئة، وكل هذا يجب أن يحافظ على معايير صحية وسلامة غذائية صارمة. إضافة إلى ذلك، الأمر لا يقتصر على التكنولوجيا وحدها، بل يتضمن تحصيل الموافقات التنظيمية من جهات حكومية متعددة، وهو ما استغرق سنوات طويلة من الجدل والدراسة.
في بعض الدول الرائدة تكنولوجياً كسنغافورة والولايات المتحدة، بدأت عمليات الموافقة على منتجات اللحم المستنبت، لكنها بقيت محدودة جداً وتتعلق بمنتجات محددة. سوق استهلاكي واسع لا يزال بعيد المنال، والطلب الحالي مقتصر على قطاعات ضيقة من المستهلكين المهتمين بقضايا الاستدامة والأخلاق البيئية.
علاوة على ذلك، فإن الصناعة التقليدية لتربية الماشية لم تقف مكتوفة الأيدي. فقد استفادت من سنوات من التحسينات التدريجية في الكفاءة والإنتاجية، مما جعلها قادرة على إنتاج لحوم بأسعار منخفضة جداً. والمزارع الحديثة تعتمد على تقنيات متطورة تقلل من الهدر والتكاليف، وهو ما يجعل المنافسة أمام اللحوم المستنبتة شديدة جداً.
هناك أيضاً عامل نفسي وثقافي لا يجب تجاهله. الكثير من المستهلكين، حتى إن كانوا واعين بالمخاوف البيئية، قد يشعرون بتحفظ تجاه منتج مخبري لم يألفوه. الثقة في المنتج الجديد تحتاج وقتاً وتسويقاً ذكياً، وهو استثمار آخر ثقيل على الشركات الناشئة في هذا القطاع.
وبينما يؤكد أنصار اللحوم المستنبتة على أن التكاليف ستنخفض مع الوقت والإنتاج بكميات أكبر، فإن هذه التوقعات تبقى نسبية. فمسار التعلم في الصناعات التحويلية الأخرى يظهر أن الانخفاض في التكاليف قد يكون بطيئاً أو لا يصل إلى المستويات المرغوبة إلا بعد عقود من الزمن.
الحقيقة أن قطاع اللحوم المستنبتة يواجه معادلة صعبة جداً: يجب أن يثبت جدواه الاقتصادية قبل أن يتمكن من تحقيق رسالته الأخلاقية. فبدون القدرة على المنافسة على الأسعار، قد لا يتمكن من الوصول إلى الكتلة الحرجة من المستهلكين التي تضمن استمراره وتطوره. وهذا يعني أن الحلم الأخلاقي قد يبقى حكراً على الأثرياء القادرين على تحمل سعر أعلى، وهو ما يتناقض مع الغاية الأصلية من تقليل معاناة الحيوانات وحماية البيئة على مستوى عالمي واسع.
القادم من السنوات سيحدد ما إذا كانت هذه الصناعة قادرة على تجاوز معوقاتها الاقتصادية، أم أنها ستبقى نموذجاً مثالياً جميلاً لكنه غير قابل للتطبيق على نطاق واسع. والرهان الآن على الابتكار والاستثمار والإرادة السياسية لدعم هذا القطاع حتى يصل إلى مرحلة يكون فيها قادراً على الوقوف بمفرده اقتصادياً.