تتلاقى جبهات الصراع الأوكراني والإيراني بطرق خطيرة، مع تصعيد روسي متواصل واستنزاف أميركي للموارد. ما لم يتحرك القادة الدوليون بجدية نحو حلول سياسية شاملة، فإن العالم قد ينزلق نحو كارثة عامة كما حدث قبل الحرب العالمية الأولى.
روسيا لم تقتل بعد أعداداً كبيرة من الأوروبيين خارج أوكرانيا، لكنها تقترب من ذلك بسرعة. في ليلة الرابع والخامس من أغسطس، اكتشف سائق حافلة مطار بمحطة لايبتسيج-هالة ـ وهي مركز لوجستي محوري لدعم أوروبا لمجهود الحرب الأوكراني ـ طائرة مسيّرة مسلحة بالقرب من مدرج الهبوط. وقد تكون طائرة شحن قد اصطدمت بطائرة مسيّرة ثانية بعد الإقلاع مباشرة، ما أجبرها على الهبوط الاضطراري. كما عثر المحققون على طائرة مسيّرة ثالثة محملة بمتفجرات عسكرية بالقرب من الموقع.
في عام 2024، اشتعلت أجهزة حارقة مختبأة في طرود في حمولة شركة "دي إتش إل" في نفس المطار. لو أن هذه الأجهزة انفجرت في الجو، كانت ستحدث كارثة جوية كبرى مع خسائر حضرية هائلة، وربما أدت إلى حرب أوسع نطاقاً.
قد يكون الحادث الأخير ما دفع مدير وكالة الاستخبارات الأمريكية جون راتكليف للتوجه إلى موسكو الأسبوع الماضي. هناك، وفقاً للتقارير، حذّر نظراءه من شن هجمات على أراضي حلف الناتو، وحثهم على تقليص دعمهم لإيران، وأكد أن التصعيد في أوكرانيا سيأتي بنتائج عكسية، وضغط من أجل التوصل إلى اتفاق مع أوكرانيا لإنهاء الحرب.
من غير المرجح أن تؤثر رحلة راتكليف كثيراً على خطط الكرملين للتصعيد ضد أوكرانيا في الأشهر المقبلة، لكنها تشكل دليلاً إضافياً على التشابك الخطير والمتنامي بين حربي إيران وأوكرانيا.
إرسال راتكليف إلى موسكو كان اختياراً منطقياً من قبل البيت الأبيض، نظراً للدور الكبير الذي تلعبه أجهزة الاستخبارات في حكومة بوتين والقلق المشروع من أنه قد يحصل على تقييمات وردية جداً عن الحرب من فريقه الخاص. محاولة الدبلوماسية تستحق الإشادة. غير أن رفض إدارة ترامب إنهاء الحرب مع إيران يعمل بمسار معاكس لجهودها لإنهاء الحرب في أوكرانيا. إنهم يتجهون نحو العاصفة بدلاً من الابتعاد عنها.
أحد أسباب زيارة راتكليف إلى موسكو، وفقاً لصحيفة واشنطن بوست، كان التشكيك في اعتقاد الكرملين بأن البيت الأبيض يهتم بإيران أكثر من اهتمامه بأوكرانيا. حظاً موفقاً. التقارير عن الاستنزاف الحاد لمخزونات الدفاع الجوي الأمريكي من جراء الحرب على إيران واسعة النطاق لدرجة أنها لا بد أن تشجع فلاديمير بوتين على شن ضربات صاروخية أكثر فتكاً ضد السكان الأوكرانيين العزل.
من جانبها، أرسلت أوكرانيا 228 متخصصاً وشاحنات من الطائرات المسيّرة لمساعدة دول الخليج في الدفاع عن نفسها ضد الضربات الإيرانية، ما دفع واحداً على الأقل من الساسة الإيرانيين لإعلان أن أوكرانيا أصبحت هدفاً عادلاً للهجمات الإيرانية. وقد استهدفت أوكرانيا سفينة تجارية إيرانية في أواخر يوليو. وفي الوقت نفسه، زودت روسيا إيران ببيانات استخباراتية عسكرية جعلت ضرباتها أكثر فتكاً. وطبعاً استفادت موسكو منذ زمن من الطائرات المسيّرة من تصميم إيراني للهجوم على أوكرانيا.
كلا الصراعين يتفاقمان وفي الوقت ذاته لا يتجهان نحو حل. صحيح أن بوتين في ورطة اقتصادية، بعد أن لحقت بالقطاع الروسي للنفط والإمدادات أضرار فادحة جراء الضربات الأوكرانية، لكن هذه الورطة قد تدفعه بسهولة نحو التصعيد مثلما تدفعه نحو التهدئة ـ لا سيما إذا اعتقد أن الولايات المتحدة منشغلة مجدداً في الشرق الأوسط وأن لديه نافذة فرصة للتوجيه ضربة حاسمة لكييف.
بوتين، مثل زيلينسكي، مثل ترامب، ومثل القيادة الإيرانية، يواجه نفس معضلة الخسارة المتراكمة التي دفعت قادة حروب كثيرين عبر التاريخ للمضاعفة على عمليات عسكرية عقيمة ـ من ألسيبيادس في صقلية، إلى نابليون في روسيا، إلى جونسون في فيتنام. إذا حذا قادة اليوم حذوهم، فستتزايد التكاليف والمخاطر بينما تندمج الصراعات أكثر.
في الوقت نفسه، التقى شي جين بينج وبوتين يوم الاثنين وسيلتقيان برموز القيادة الإيرانية في بيشكيك هذا الأسبوع للقمة السنوية لمنظمة شنغهاي للتعاون. سيناقشان خططهما لربط أسواقهما للطاقة بشكل أوثق وربما سيدينان المبادرة "الاقتصادية الهجومية" التي أعلن عنها وزير الخزانة الأمريكية سكوت بيسنت الأسبوع الماضي لشدة الضغط على إيران. قد لا ترغب بكين في استمرار أي من الحربين، لكنها أيضاً لا تريد رؤية روسيا أو إيران تخسران تماماً، وهي لا تزال في وضع قوي لتجنب هذه النتيجة بمساعدة الإيرانيين والروس على التخفيف من أسوأ آثار الحرب على اقتصاداتهما وسكانهما.
كانت رحلة راتكليف ضرورية، خاصة في ضوء العمليات الروسية الرعناء في المنطقة الرمادية في أوروبا. لكنها لن تكون كافية. ذهب سلفه بيل بيرنز إلى موسكو من قبل في محاولة لتحذير روسيا من مهاجمة أوكرانيا. لم تُسمع تلك التحذيرات، وكذلك لن تُسمع تحذيرات راتكليف.
هناك حاجة ماسة إلى خطط أوضح لإنهاء كلا الحربين من خلال حوافز إيجابية أكثر.
للبدء، يجب على واشنطن التوصل إلى تسوية مع إيران بفتح الأصول المجمدة وتقديم تخفيفات عقابية مقابل وقف إطلاق نار فعلي واتفاق إطاري للسيطرة المشتركة على المضيق من قبل الدول الساحلية. وبعدها يمكنها العمل على التخفيف من عواقب هذه الخسارة من خلال دفع كبير لتنويع إمدادات الطاقة ـ عبر طرق بديلة خارجة من المنطقة، ومصادر بديلة مثل فنزويلا، وتعزيز الطاقات المتجددة. أما أوكرانيا، فتحتاج إلى أن تأخذ الحياد على محمل أكثر جدية. كما تحتاج إلى نقاش حقيقي حول ما إذا كانت الاحتفاظ ببقايا الدونباس التي تسيطر عليها يستحق الاستمرار في الحرب إلى أجل غير مسمى.
يكتب المؤرخ أود آرن ويستاد في خاتمة كتابه الأخير "العاصفة الآتية"، الذي يتتبع أوجه الشبه بين عالمنا اليوم والعالم عشية الحرب العالمية الأولى: "من الدروس المهمة للعالم قبل عام 1914 أن الصراعات الإقليمية التي ظلت دون حل لفترات طويلة، يمكن أن تكون برميل البارود الذي يشعل حريقاً عالمياً حاشداً." وفيما تتشابك صراعات إيران وأوكرانيا دون أفق لنهاية، يجب على قادة العالم أن يأخذوا مثل هذه التحذيرات بجدية أكبر بكثير. لكن بدون ضغط حقيقي من شعوبهم، قد لا يفعلون.
التاريخ لا يُحتم عليه أن يعيد نفسه. لكن لا تحتاج إلى أن تكون مؤرخاً مشهوراً لتدرك الأخطار التي يطرحها العالم أمامنا، ولا لتأسف على فشل قادتنا في تهدئة هذه العواصف.