ربع قرن بعد 9/11: معالم استراتيجية مكافحة الإرهاب الفعّالة
Foreign Policy
Foreign Policy
المصدر الأصلي
خبراء أمنيون يؤكدون أن مكافحة الإرهاب الحديثة تتطلب استراتيجية قائمة على المعلومات الاستخباراتية وليس الأيديولوجيا، خاصة مع تطور التكنولوجيات مثل الذكاء الاصطناعي التي يستغلها الإرهابيون. وتبرز الشراكات الدولية القوية كعنصر أساسي في مواجهة التهديدات الإرهابية المتنامية والناشئة.
**بعد ربع قرن من أحداث 11 سبتمبر: نحو استراتيجية مكافحة إرهاب للقرن الحادي والعشرين**
في الخمسة وعشرين عاماً التي مرت منذ هجمات 11 سبتمبر، لم تعد الحركات الجهادية العالمية تصنَّف كأكبر تهديد إرهابي يستهدف الأراضي الأمريكية. انزاحت أولويات واشنطن الاستراتيجية تدريجياً من التركيز على مكافحة الإرهاب نحو الاشتباك مع القوى العظمى. غير أن التهديد الإرهابي لا يزال يفرض نفسه واقعياً على الساحة الأمريكية والدولية، لا سيما مع عمد الخصوم إلى استغلال التقنيات سريعة التطور، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي.
في منتدى مركز سوفان العالمي للإرهاب والعنف السياسي الذي انعقد في مدينة نيويورك الأربعاء الماضي، أدار نقاشاً حواراً مع ثلاثة خبراء أمنيين عملوا في إدارات جمهورية وديمقراطية على حد السواء حول معالم استراتيجية مكافحة الإرهاب اللازمة للعقود القادمة. تمحور الحديث بشكل أساسي حول السبل الأنسب لمواجهة التهديدات الناشئة.
**الفشل في توقع المخاطر**
أرجع تقرير لجنة 9/11 الحادثة جزئياً إلى "فشل الخيال" لدى الحكومة الأمريكية والمجتمع الاستخباراتي في توقع الأخطار. عندما سُئلت جين إيسترلي، التي تولت منصب مديرة وكالة الأمن السيبراني والبنية التحتية حتى 2025، عما إذا كانت الولايات المتحدة تعاني من قصور مماثل اليوم في تخيل التهديدات الإرهابية الجديدة، عادت بالذاكرة إلى قضية المتفجرات التي استخدمها منفذا تفجيرات ماراثون بوسطن، حيث تعلما من مجلة إلكترونية تابعة لتنظيم القاعدة. ربطت بين ذلك وبين القدرات التي يوفرها الذكاء الاصطناعي حالياً.
تصورت إيسترلي، الرئيسة التنفيذية الحالية لمؤتمر الأمن السيبراني الرائد RSAC، سيناريو يقوم فيه الذكاء الاصطناعي بتوليد تعليمات دقيقة وصوراً عالية الجودة وحتى قوائم تسوق لإنتاج نسخ بدائية من أسلحة سيبرانية وبيولوجية وإشعاعية، ثم وضع هذه المعلومات بين أيدي الدول المعادية والإرهابيين والمجرمين. وصفت هذا المستقبل بأنه "عالم نسير نحوه بسرعة ماراثونية من الدرجة الأولى". شهد العالم بالفعل عدة حالات استخدام للذكاء الاصطناعي من قبل مجموعات جهادية، بما فيها تنظيم بوكو حرام، في نشاطات تتراوح بين إنتاج الدعاية والتخطيط للهجمات.
**بناء التحالفات والاستفادة من التجارب**
لا يقتصر الخطر على الذكاء الاصطناعي وحده. يشكل الطيران بدون طيار والهجمات السيبرانية تهديدات متزايدة أيضاً، خاصة في سياق الإرهاب برعاية الدول في أعقاب الحروب الروسية الأوكرانية والصراع الأمريكي الإيراني المتصاعد. أكد الخبراء أن الحفاظ على تحالفات دولية قوية وتعميقها يُمثل حجر الزاوية في التعامل مع هذه التحديات.
قال كريس كوستا، الذي شغل منصب مساعد رئاسي وكبير مديري مكافحة الإرهاب في مجلس الأمن القومي خلال إدارة ترامب الأولى، إن الولايات المتحدة تستطيع فهم التهديدات التي تواجهها بشكل أفضل من خلال التواصل مع الشركاء الدوليين الذين واجهوا تهديدات مماثلة. قال كوستا: "يتحتم علينا تبادل تلك الدروس. خصومنا متعلمون بلا انقطاع، يتعلمون كل يوم. علينا أن نستمر في التعلم أيضاً."
في المقابل، تثير ميول إدارة ترامب تجاه استفزاز الحلفاء عبر الخطاب المسيء والسياسات الحمائية والخرائط الاستفزازية تساؤلات مشروعة حول التداعيات طويلة الأمد على قدرات جمع المعلومات الأمريكية ومكافحة الإرهاب.
**العودة إلى المبادئ العلمية**
أثارت استراتيجية البيت الأبيض في مكافحة الإرهاب، بتركيزها على "الإرهابيين المتاجرين بالمخدرات" والمجموعات اليسارية دون أي اهتمام بالتهديدات التي تشكلها الحركات اليمينية المتطرفة، جدلاً واسعاً. اعتبرها خبراء متناقضة مع الواقع الموضوعي وموجهة بالاعتبارات الأيديولوجية.
شدد الخبراء الثلاثة في نقاشهم الأربعاء على أهمية اتباع استراتيجية مكافحة إرهاب قائمة على المعلومات الاستخباراتية وبعيدة عن التأثيرات الحزبية. وإن لم ينتقد كوستا الإدارة الحالية بشكل مباشر، إلا أنه أشار إلى أن بناء الثقة مع الشركاء الأجانب يستلزم استراتيجية مكافحة إرهاب "قائمة على الحقائق والمعلومات الاستخباراتية".
تعكس هذه الآراء إدراكاً متنامياً بأن النجاح في مواجهة التهديدات الإرهابية المتطورة يتوقف على التمسك بالمعايير المهنية والالتزام بالشراكات الدولية، بدلاً من السياسات المتقلبة أو القائمة على اعتبارات سياسية ضيقة.