دولي🌐 Available in English٦ تشرين الأول ٢٠٢٦

في غزة، لا يمكننا حتى البدء بالتعافي من الصدمة

في غزة، لا يمكننا حتى البدء بالتعافي من الصدمة
Al Jazeera
Al Jazeera
Al Jazeera
المصدر الأصلي

ثلاث سنوات من الرعب الإبادي في غزة خلّفت أكثر من 74 ألف قتيل، وتركت الناجين يعيشون في صدمة دائمة لا سبيل للتعافي منها طالما استمرت الحرب. أكثر من مليون طفل يحتاجون إلى دعم نفسي، بينما يعاني أكثر من 88 بالمئة من البالغين من اضطراب الإجهاد اللاحق بالصدمة.

ثلاث سنوات من الرعب الإبادي تجثم على صدر غزة. ثلاث سنوات من الموت والدمار واليأس والهلاك.

سقط أكثر من 74 ألف قتيل، منهم أكثر من 1400 منذ دخول ما يُسمى "الهدنة" حيّز التنفيذ في أكتوبر الماضي. وعشرات الآلاف غيرهم لقوا حتفهم لأسباب يمكن الوقاية منها بسبب انهيار الخدمات الصحية.

أما نحن الناجون فنعيش في صدمة دائمة — صدمة لا نستطيع حتى البدء بالتعافي منها طالما لم تتوقف الإبادة.

يصعب وصف حجم الخراب النفسي الذي يعم. بدأت المنظمات الدولية تستخدم أرقاماً تُنذر بضرورة الاهتمام العاجل بـ "أزمة الصحة العقلية".

خلصت تحليلات صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى أن أكثر من مليون طفل في غزة يحتاجون إلى دعم نفسي واجتماعي، و96 بالمئة منهم يشعرون أن الموت قادم لا محالة.

بين المراهقين والشباب، يعاني حوالي 61 بالمئة من اضطراب الإجهاد اللاحق بالصدمة، و38 بالمئة من الاكتئاب، و41 بالمئة من القلق.

أظهرت دراسة واحدة أن حوالي 88 بالمئة من البالغين في غزة يعانون من اضطراب الإجهاد اللاحق بالصدمة.

هؤلاء أطفال وبالغون كانوا يحملون بالفعل ندوب حروب سابقة. بحلول عام 2020 — بعد ثلاث حروب استمرت أشهراً — أظهر نصف أطفال غزة أعراض اضطراب الإجهاد اللاحق بالصدمة. وبحلول عام 2022، كان 71 بالمئة من البالغين يعانون من الاكتئاب.

لكن هذه الأرقام لا تعكس ما يعنيه العيش مع صدمة حين لا تلوح في الأفق حتى بارقة أمل بالشفاء.

عرفنا الحرب من قبل، لكن ليس حرب إبادة شاملة.

لم يكن شيء يُحضّرنا لها. لا الفرار من منازلنا حين اجتاحت الجيش الإسرائيلي الأراضي عام 2008، ولا الاختباء حين دكّت الغارات الجوية الإسرائيلية البيوت في 2012 و2014 و2021.

الحرب الشاملة المستمرة شيء آخر. تغمرك، تسحقك لأنها تمحو حتى احتمالية النجاة.

قرأت عنها في الكتب. تخطر على البال رواية "وداعاً للسلاح" لهيمنغواي.

أتذكر الأوصاف التفصيلية للقصف والرصاص، والأطراف المتناثرة، والجثث تُحمل على نقّالات، والأطباء ملطخون بالدم يشبهون "الجزّارين".

الموت في غزة ليس مثل ذلك أبداً. له رائحة: رائحة الذخيرة والدخان والعفن. له صوت: خطير الصاروخ والصرخات المكتومة تحت الركام. له إحساس جسدي بالرعب النقي.

لم يُحضّرني أي أدب حربي قرأته لما شهدته وعشته.

في الشهرين الأولين من الحرب، قُصفت ستة منازل في حيي مباشرة، وقُتل 60 من جيراني. سقطت قنبلة قريبة جداً فانفجرت جدراً ونوافذ منزلنا، فأصابت أختي الصغرى ووالدتي وأنا.

كان القصف لا ينقطع — ليل نهار. في النهار، كانت الأدخنة تملأ السماء وتحجب الزرقة. في الليل، كانت الظلمة والغبار تنقسم بضوء مصابيح الهواتف، حين نُسارع للتنقيب عن جيراننا من تحت الركام.

رأيت جسد طفل عالقاً في جدار مكسور بجانب يد مقطوعة لرجل.

رفعت جسد رضيع من تحت الأنقاض.

شهدت امرأة تخرج من منزل منهار والدم ينهمر من وجنتيها، بينما الوجوه الملطخة بالدخان تصرخ والجيران الذين يُرعبهم الخوف يفتّشون جدران الإسمنت المسحوقة بحثاً عن ذويهم.

وفي يوم مرعب، وجدت طالبي الصغير محمد ذا الثماني سنوات منبطحاً في الركام. قلبته على ظهره لأتفقد نبضه. لا نبض، لا تنفس. كان يأتي إلى منزلي لدروس اللغة الإنجليزية مع أخته. القصف انتزع روحه البريئة، لكنه أبقى أخته حية. أخرجتها من تحت الأنقاض.

الكلاسيكيات رقيقة. غزة ليست كذلك.

صدمتي عالقة في جسدي مثل شظايا. تشدّ صدري حين تحوم طائرة درون فوقي. تهزّ يديّ حين أسمع صرير الرصاص القريب.

أشعر بخدر. لا أستطيع التركيز. كاد يختفي ابتسامي.

كتب هيمنغواي: "العالم يكسر الجميع وفي ما بعد كثيرون أقويّاء في أماكن الكسر. لكن الذين لن ينكسروا، تقتلهم. تقتل الأطيبين والألطفاء والأشجع بلا تمييز".

صحيح، لم تكن الصدمة وحدها هي التي اجتاحتنا، نحن الكسرى. بل أيضاً ذنب الناجي. أفضل الناس وأنبلهم انتُزعوا من بيننا. فقدت أقارب وأصدقاء وطلاباً: الألمع والأسخى والأطيب.

لم أعد أقرأ لأتعلم وأثري نفسي. أقرأ لأنسى. أقرأ حتى تتشوش رؤيتي والنوم يستولي عليّ، محاولاً طرد صور الموت من رأسي.

الأدب لم يعد يثير عاطفتي أو يزعزع يقيني. رأيت الإنسانية تموت والعالم يراقب ببرود. فماذا يمكن أن يكون أكثر خيالاً من هذا؟

🔗 شارك المقال

الوسوم:#غزة#الصحة النفسية#الصدمة#الحرب#الإبادة الجماعية#اللاجئون
المصدر: Al Jazeera

لفهم السياق

قراءات مرتبطة بنفس الملف أو آخر تطوراته