دولي🌐 Available in English٢ أيلول ٢٠٢٦

لماذا تراهن اليونان على درع إسرائيل العسكري؟

لماذا تراهن اليونان على درع إسرائيل العسكري؟
Al Jazeera
Al Jazeera
Al Jazeera
المصدر الأصلي

وقّعت اليونان وإسرائيل صفقة دفاعية بقيمة 3.5 مليارات دولار لبناء شبكة حماية متعددة الطبقات، في أكبر صفقة عسكرية بين البلدين. يعكس التوقيع تحولاً استراتيجياً يضع اليونان في مواجهة متنامية مع تركيا، بينما يسعى الجانبان لملء الفراغ الذي خلفته انهيار العلاقات التركية-الإسرائيلية.

وقّعت اليونان وإسرائيل يوم الاثنين صفقة دفاعية بقيمة 3.5 مليارات دولار لبناء شبكة حماية متكاملة متعددة الطبقات تسمى "درع أخيل" لحماية الأراضي اليونانية. تجمع الصفقة بين أنظمة "ديفيدز سلينج" و"سبايدر" للاعتراض، ونظام "بارك" للدفاع الجوي والصاروخي، والرادارات متعددة المهام، إضافة إلى اتفاق منفصل لإضافة أنظمة "درون دوم" لحماية المواقع الاستراتيجية من الطائرات بدون طيار.

تمثل هذه الصفقة أكبر اتفاق دفاعي في تاريخ العلاقات بين البلدين، وتعتبر من أهم صفقات التصدير العسكري في السنوات الأخيرة لإسرائيل.

ما يجعل هذا الاتفاق لافتاً بشكل خاص هو توقيته، حيث يأتي في لحظة تشهد إسرائيل واحدة من أضعف فتراتها الدبلوماسية منذ عقود. واليونان ليست استثناء في هذا السياق، إذ يرى 65 بالمئة من مواطنيها إسرائيل بعين سلبية. فلماذا اختارت أثينا إذن توسيع علاقاتها مع إسرائيل علناً في أحساس الدول حساسية: الدفاع والتكنولوجيا العسكرية؟

أولاً، يلوح شبح الصراع الإسرائيلي الإيراني بثقل على الأفق. في أوائل مارس، أطلقت إيران طائرة بدون طيار استهدفت قبرص، الجارة اليونانية والشريكة الحميمة. دعّم هذا القصف القلق الذي بدا واضحاً بالفعل خلال العام الماضي. بعد أن أسقطت إسرائيل، بمساعدة أمريكية، حوالي 300 طائرة بدون طيار وصاروخ إيراني، طالب وزير الدفاع اليوناني نيكوس ديندياس أثينا بتطوير "قبة" مضادة للطائرات بدون طيار خاصة بها.

تمثل الصفقة إذن جزئياً نتيجة حتمية لضرورة عملية، حيث تسارع الدول للبحث عن حلول عسكرية للتصدي للتهديد المتنامي من الطائرات بدون طيار. تستحوذ السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة على تكنولوجيات مضادة للطائرات من أوكرانيا، دولة أخرى نجحت في تسويق منتجاتها كأنظمة مختبرة في ساحة المعركة.

رغم الضعف السياسي النسبي، لدى إسرائيل أفضلية عملية، لأنها مارست منذ زمن "الدبلوماسية العسكرية"، محتفظة بصناعتها الدفاعية كمنصة لتعميق علاقاتها الثنائية مع الدول المشترية المحتملة.

العامل الثاني الذي يدفع صفقة درع أخيل هو مبدأ استراتيجي إسرائيلي عريق: "مذهب المحيط". يدعو هذا المذهب إسرائيل لتطوير علاقات مع دول وشعوب غير عربية على محيط بلاد الشام، لمواجهة العداء بين إسرائيل وجيرانها المباشرين. وهو اعتراف بأن التهديدات المشتركة قد تولد شراكات استراتيجية. وفي حالة إسرائيل واليونان، هذا التهديد المشترك هو تركيا.

المفارقة أن تركيا —كدولة غير عربية وكبوابة بين الشرق الأوسط وأوروبا— كانت الشريك الوثيق لإسرائيل في الأيام الأولى من مذهب المحيط. في العام 1949، كانت تركيا أول دولة إسلامية تعترف بإسرائيل. وفي السنوات التالية، طوّرت أنقرة وتل أبيب علاقات أمنية قوية لكن سرية.

نجح هذا الترتيب كما أرادته إسرائيل، حيث فتح الباب أمام علاقات ثنائية متسعة وأكثر علانية، استمرت حتى بعد وصول حزب العدالة والتنمية ذي التوجهات الإسلامية إلى السلطة في تركيا عام 2002.

لكن الطرفين تنافرا في أواخر عام 2008 بعد أن شنت إسرائيل عملية عسكرية على قطاع غزة. وأسفرت الخلافات اللاحقة حول السياسات الإسرائيلية تجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة عن تدهور تدريجي لعلاقاتهما العميقة.

انهار التبادل التجاري بين البلدين منذ فرضت أنقرة حظراً على إسرائيل عام 2024. لم تعد هناك رحلات جوية مباشرة بينهما. في حزيران الماضي، ادعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الضغط الأمريكي منع تركيا من الانضمام إلى الحرب إلى جانب إيران. قد يبدو هذا بعيد الاحتمال، لكنه يعكس كيف أصبحت إسرائيل وتركيا لا تختلفان فحسب حول كثير من القضايا الجيوسياسية، بل تنظران لبعضهما بشكل متزايد كمنافسة وحتى كتهديد.

ما يستحق الملاحظة هو السرعة التي ملأت بها اليونان الفراغ. في السنوات السابقة، كانت شراكة تل أبيب مع أنقرة تحول دون علاقات أقرب مع أثينا. لكن هذا تغيّر: في أواخر عام 2025، وقّعت إسرائيل وقبرص واليونان "خطة عمل مشتركة" تلزمهما بتعزيز التعاون العسكري.

عزّزت الطاقة هذا التقارب الاستراتيجي. دفع اكتشاف احتياطيات غاز كبيرة في شرق المتوسط إسرائيل وقبرص واليونان إلى التعاون حول خطوط الأنابيب والأمن البحري.

وكما حدث مع تركيا، تبعت العلاقات الثنائية الأوسع التعاون الأمني: زار 744 ألف إسرائيلي اليونان عام 2025، مقارنة بـ 558 ألف سائح إسرائيلي زاروا تركيا في ذروتها عام 2008.

ساهم التقسيم الإقليمي المتزايد إلى كتل منافسة أيضاً في نمو العلاقات بين إسرائيل واليونان. في شباط، طرح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو فكرة "تحالف سداسي" يضم إسرائيل وقبرص واليونان والهند ودولاً عربية وأفريقية غير محددة.

بعد ستة أشهر، وقّعت السعودية وتركيا وباكستان "اتفاق مكة للدفاع المشترك". يتقاطع هذا التحالف على نطاق واسع مع ما أطلق عليه معلقون سابقاً "التحالف الإسلامي".

هذا ديناميكية متطورة والتعاون بين الكتل شائع مثل الخلافات داخل الكتلة الواحدة. لكنه يدل على أن أزمة الثقة في دور الولايات المتحدة كضامن أمني تتجاوز دول الخليج وتسبق الحرب الأخيرة على إيران. ويحمل كذلك صداعاً محتملاً لصانعي السياسة بواشنطن، لأن هذه الدول المتنافسة بشكل متزايد هي جميعها حلفاء أمريكيون.

صفقة درع أخيل إذن هي تجلٍ جديد لاستراتيجية إسرائيلية قديمة تسارعت بفعل الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران. قد يعقّد الشك الشعبي العلاقات بين اليونان وإسرائيل، لكن العلاقات الإسرائيلية-التركية ازدهرت لعقود رغم مواقف شعبية سلبية مماثلة.

باختصار، في شرق المتوسط وفي أماكن أخرى، سيستمر الغضب الشعبي المتنامي من سياسات إسرائيل في التعايش بتوتر مع تعمّق التعاون الأمني على مستوى النخب. والمفارقة أن نفس الصراعات التي أضرّت بالموقف الدولي لإسرائيل زادت أيضاً من قيمة خبرتها العسكرية وتكنولوجيتها الدفاعية.

🔗 شارك المقال

الوسوم:#إسرائيل#اليونان#الصراع الإيراني#الدفاع#تركيا#الشرق الأوسط
المصدر: Al Jazeera

لفهم السياق

قراءات مرتبطة بنفس الملف أو آخر تطوراته