دولي🌐 Available in English١٦ أيلول ٢٠٢٦

ازدهار اقتصادي في قيرغيزستان بفضل الحرب الأوكرانية

ازدهار اقتصادي في قيرغيزستان بفضل الحرب الأوكرانية
New York Times
N
New York Times
المصدر الأصلي

تشهد جمهورية قيرغيزستان طفرة اقتصادية غير مسبوقة منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، حيث استقطبت رؤوس أموال روسية ضخمة وعمالة فنية هاربة من العقوبات الغربية. يعكس الازدهار الاقتصادي الجديد تحولات عميقة في موازين القوى والاستثمارات في آسيا الوسطى.

تعيش جمهورية قيرغيزستان أفضل أيامها الاقتصادية منذ سنوات، وهي نعمة غير متوقعة لدولة جبلية صغيرة ظلت طويلاً تعاني من الفقر والعزلة الجغرافية. لكن هذا الازدهار لم يأتِ من فراغ — فهو نتاج مباشر للحرب الروسية الأوكرانية ولموجة العقوبات التي فرضتها الدول الغربية على موسكو.

منذ بدء الحرب في فبراير 2022، فتحت قيرغيزستان أبوابها للرؤوس الأموال الروسية الهاربة من العقوبات الاقتصادية الخانقة. عشرات الآلاف من المهندسين والمبرمجين والموظفين الروس توافدوا على العاصمة بشكك والمدن الأخرى، يبحثون عن ملاذ آمن وفرص عمل بعيداً عن الركود الذي تعاني منه روسيا.

المحلات التجارية تعج بالزبائن الجدد، والعقارات تشهد طلباً متزايداً، والمطاعم والفنادق تعمل بطاقة أكبر. أسعار الإيجارات في بشكك ارتفعت بنسبة تجاوزت 40 في المئة في السنتين الماضيتين. المستثمرون الروس لا يبحثون فقط عن مسكن، بل عن إقامة طويلة الأجل مع عائلاتهم.

قول إحدى صاحبات المحلات في بشكك: "لم نرَ مثل هذا الإقبال من قبل. الناس ينفقون بسخاء، والأعمال تسير بشكل أفضل بكثير". الفنادق المتوسطة والفاخرة امتلأت بالنزلاء الروس، وشركات الاتصالات والخدمات المصرفية أضافت خدمات جديدة بلغات أجنبية لاستقطاب هذا الكم الجديد من الزبائن.

لكن الطفرة تجاوزت الخدمات الاستهلاكية. بدأت شركات تقنية روسية كبرى تنقل عملياتها كلياً أو جزئياً إلى قيرغيزستان. الإنترنت في البلاد أصبح محطة وصل حيوية للعاملين الروس في قطاع التكنولوجيا والبرمجيات، الذين لا يستطيعون العمل من الأراضي الروسية بسبب العقوبات التي تقيد الوصول للتقنيات الغربية والأسواق الدولية.

قال مسؤول حكومي قيرغيزي طلب عدم نشر اسمه: "قيرغيزستان أصبحت ملاذاً للقوى البشرية والعقول الروسية. هذا يعني المزيد من الضرائب والنشاط الاقتصادي والطلب على الخدمات". الحكومة في بشكك، بحذر سياسي، لم تفرض قيوداً على الهجرة الروسية، بل رحبت بها بحكمة من باب مصلحة اقتصادية واضحة.

الآثار الاقتصادية بدأت تظهر بقوة. قطاع البناء في حالة انتعاش ملموس، المشاريع العقارية الجديدة تنبثق في كل حي من أحياء بشكك، والطلب على الديكورات والأثاث والمواد الإنشائية ارتفع بشكل كبير. محلات الملابس والإلكترونيات الراقية شهدت طفرة مبيعات لم تعرفها من قبل.

مع ذلك، لم تكن الطفرة خالية من التوترات الاجتماعية. بعض السكان المحليين أعربوا عن قلقهم من أن الأسعار المتصاعدة أصبحت غير متناسبة مع دخول السكان المحليين. الإيجارات بخاصة أصبحت عبئاً ثقيلاً على العائلات القيرغيزية ذات الدخل المتوسط والمحدود. توتر طفيف نشأ بين السكان الروس الجدد والمحليين بسبب الفارق في مستويات الإنفاق والمعيشة.

كما أن التدفق السريع للهجاجر الروس لم يأتِ بلا تحديات إدارية. البنية التحتية للخدمات العامة بدأت تشعر بالضغط، المدارس تستقبل أطفالاً روساً، والنظام الصحي يحتاج لموارد إضافية لتلبية احتياجات السكان الجدد. لكن الحكومة القيرغيزية اختارت الاستثمار في هذه الخدمات بدلاً من وضع حواجز أمام الهجرة.

الخبراء الاقتصاديون يرون في هذا التطور فرصة ذهبية لقيرغيزستان لإعادة هيكلة اقتصادها. الضرائب المضافة من النشاط الاقتصادي الجديد يمكن أن توجه نحو تطوير البنية التحتية والتعليم والصحة. بعض المسؤولين يأملون أن يؤدي هذا الاتصال بالخبرات الروسية والاستثمارات التكنولوجية إلى تحديث أعمق للاقتصاد المحلي.

لكن هناك سؤالاً معلقاً حول استدامة هذه الطفرة. فإذا انتهت الحرب الأوكرانية أو تحسنت العلاقات بين موسكو والغرب وتخفف العقوبات، فقد ينقلب المشهد رأساً على عقب. الرؤوس الأموال الروسية قد تعود، والهجاجر قد يعودون إلى الوطن، والطلب الاستهلاكي قد ينخفض بشكل حاد. صناع السياسة في بشكك يدركون هذه الهشاشة، لكنهم يفضلون الاستمتاع بالازدهار الحالي والتخطيط لما بعده.

في الوقت الراهن، قيرغيزستان تختبر لحظة تاريخية نادرة من الرخاء النسبي، ولو أنه مرتبط بحرب بعيدة ومصائب لدول أخرى. إنها درس في الاقتصاد الجيو-سياسي: كيف يمكن لبلد صغير أن يستفيد من التحولات العالمية الكبرى، حتى تلك الناشئة عن الأزمات.

🔗 شارك المقال

الوسوم:#قيرغيزستان#الحرب الروسية الأوكرانية#العقوبات الغربية#الهجرة الروسية#الازدهار الاقتصادي#آسيا الوسطى
المصدر: New York Times

لفهم السياق

قراءات مرتبطة بنفس الملف أو آخر تطوراته