دولي🌐 Available in English٨ آب ٢٠٢٦

السماع السبعة: السعي نحو النشوة الروحية عبر الرقص الدوراني

السماع السبعة: السعي نحو النشوة الروحية عبر الرقص الدوراني
New York Times
N
New York Times
المصدر الأصلي

التقت مئات من الأشخاص في الريف التركي لمدة سبعة أيام كاملة بحثاً عن التجاوز الروحي من خلال ممارسة السماع، الطقس الصوفي العريق القائم على الرقص الدوراني المستمر. يجسد هذا التقليس الإسلامي العميق تطلع الإنسان إلى الاتصال بالمقدس والتحرر من قيود المادة.

في قرية صغيرة بأناضول التركية، اجتمع مئات من الباحثين عن السلام الروحي والنشوة الصوفية لحضور ملتقى استمر سبعة أيام وليالٍ متواصلة، حيث مارسوا فيه السماع، تلك الممارسة الروحية العريقة التي تجمع بين الموسيقى والحركة والتأمل.

السماع، التي يُعرّفها الصوفيون بأنها رحلة روحية نحو الخالق، تقوم على دوران الجسد بحركة منتظمة مستمرة تتزامن مع الموسيقى التقليدية والدعاء. المشاركون في هذا الملتقى بمدينة ينجه التركية، الواقعة على بُعد عشرات الكيلومترات عن إسطنبول، مارسوا هذا الطقس بتفانٍ ملحوظ، معتقدين أن الدوران المستمر يطهّر الروح ويقرّبها من الحقيقة الإلهية.

ليس السماع حركة جسدية عابرة، بل هي تعبير عن فلسفة روحية عميقة الجذور في التقاليد الإسلامية الصوفية. يقف الراقص بقدم ثابتة، ويبدأ بتدوير جسده ببطء أولاً، ثم يتسارع الإيقاع تدريجياً مع تسارع الموسيقى، فيصل إلى حالة من الغياب عن الوعي والاندماج الكلي مع الكون. هذه الحالة، التي يسميها الصوفيون "الفناء"، تمثل ذروة التجربة الروحية حيث تختفي حدود الذات وينصهر الإنسان في اللانهائي.

قال أحد المشاركين، وهو معلّم متقاعد من اسطنبول: "لا توجد كلمات تصف ما أشعر به خلال السماع. إنها تجربة تتجاوز اللغة والعقل، تجربة يشعر فيها الجسد بخفة لم يعرفها من قبل، وتنفتح فيها الروح على حقائق لا يمكن للعقل المادي أن يدركها وحده."

الملتقى الذي امتد على مدى سبعة أيام وليالٍ لم يكن مجرد تجمع ديني عادي. بل كان برنامجاً منظماً بدقة يتضمن جلسات يومية من السماع تستمر لساعات، مقابلة بفترات من الصمت والتأمل الهادئ والاستماع إلى المحاضرات عن التعاليم الصوفية وفلسفتها. شملت الأنشطة أيضاً قراءة الشعر الصوفي الكلاسيكي، خاصة أعمال الشاعر الفارسي الشهير جلال الدين الرومي، الذي أسس طريقة المولوية المشهورة بممارسة السماع.

كانت قاعة الملتقى الرئيسية، وهي منزل تقليدي عريق تم تجهيزه خصيصاً للعبادة، تعج بالموسيقيين والدراويش والزوار من جنسيات مختلفة. عازفو القانون والناي والطبل الكبير جلسوا في أحد أركان القاعة، حيث بدأوا العزف بنغمات هادئة عميقة تتدرج تدريجياً نحو الإيقاع السريع القوي. كان المكان يعطر برائحة البخور والزهور، مما ساهم في خلق أجواء روحية تسهل انجراف الممارسين نحو حالة التواصل الروحي.

عائشة، وهي طبيبة من برلين، حضرت الملتقى برفقة صديقة لها، قالت إنها اكتشفت السماع من خلال الإنترنت قبل عام، وكانت تتطلع لفترة طويلة إلى حضور مثل هذه التجربة الحية. "كنت أشاهد مقاطع فيديو عن السماع، وشعرت أن هناك شيئاً ما عميقاً في هذه الممارسة تحتاج الروح إليه. الآن بعد أن عشت التجربة الفعلية لمدة أيام، أدركت أن الكلمات والصور لا تفي بحق هذه الرحلة الروحية الفريدة."

من الناحية التاريخية، يعود أصل السماع إلى العصور الإسلامية الوسطى، وارتبط ارتباطاً وثيقاً بالحركات الصوفية المختلفة، وخاصة طريقة المولوية التي أسسها أتباع جلال الدين الرومي في القرن الثالث عشر الميلادي. انتشرت الممارسة عبر الإمبراطورية العثمانية وأصبحت جزءاً لا يتجزأ من الثقافة التركية والعربية والفارسية. بيد أن السماع، على الرغم من أصولها الروحية العميقة، واجهت انتقادات متكررة من بعض التيارات الإسلامية المحافظة التي ترى فيها انحرافاً عن التعاليم الدينية الأساسية.

في العصر الحديث، خاصة بعد تأسيس الجمهورية التركية سنة 1923، حُظرت السماع لفترة من الزمن باعتبارها ممارسة غير متسقة مع الحداثة والعقلانية. إلا أن الممارسة عادت تدريجياً إلى الظهور في العقود الأخيرة، وباتت اليوم معترفاً بها كتراث ثقافي إسلامي مهم، وحتى أن اليونيسكو أدرجتها ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي للإنسانية.

الملتقى الذي جرى في ينجة هذا الشهر كان أحد عشرات المحافل التي تُقام سنوياً في تركيا وحول العالم لممارسة السماع والتعمق في معانيها. تشير التقارير إلى أن عدد المهتمين بهذه الممارسة الروحية يزداد باطراد، خاصة بين الأجيال الشابة والغربيين الذين يبحثون عن بديل روحي للحياة الحديثة المادية.

قال مصطفى أرسلان، الشيخ الروحي الذي يقود الملتقى وحامل إجازة في الدراسات الإسلامية من جامعة إسطنبول: "السماع ليست هروباً من الواقع أو من المسؤوليات الدنيوية. بل هي وسيلة لتنقية الروح والعودة إلى جوهر الإنسان الحقيقي، وهذا بدوره ينعكس إيجاباً على حياة الشخص اليومية ويجعله أكثر رحمة وتسامحاً وسلاماً مع نفسه والآخرين."

على الجانب الصحي، أجرت بعض الدراسات العلمية اهتماماً متنامياً بتأثيرات السماع على الصحة النفسية والجسدية. أشارت الأبحاث الأولية إلى أن الحركة الدوارة المستمرة والموسيقى المُنتظمة قد تحفز إفراز هرمونات الاسترخاء في الجسم، وتقلل مستويات التوتر والقلق. غير أن هذه الدراسات ما تزال في مراحل أولية، ولا يزال هناك حاجة إلى أبحاث أعمق لفهم الآليات الفسيولوجية وراء تلك التأثيرات.

بينما يجلس المشاركون بعد آخر جلسة سماع في اليوم السابع، كانوا يتشاركون تجاربهم وانطباعاتهم. البعض أفاد برؤى روحية عميقة، والبعض الآخر تحدث عن إحساس بالصلح مع الذات والسلام الداخلي الذي طالما افتقده. واحدة من المشاركات، وهي صحافية بريطانية في الأربعينات من عمرها، قالت بعينين دامعتين: "جئت إلى هنا مثقلة بأعباء السنوات الماضية، والآن أشعر وكأن وزناً ثقيلاً قد أُزيل عن كتفي. هذه التجربة غيّرت شيئاً ما بداخلي بطريقة لا أستطيع أن أشرحها بالكامل."

الملتقى انتهى رسمياً بحفل توديعي هادئ، حيث جلس المشاركون معاً يشاركون وجبة عشاء بسيطة تقليدية، قبل أن ينفضوا على طرق مختلفة من العالم، كل واحد حاملاً معه ذكريات تجربة روحية عميقة وتوق للعودة قريباً إلى دنيا السماع والتصوف.

🔗 شارك المقال

الوسوم:#التصوف الإسلامي#السماع الدراويش#الممارسات الروحية#التراث الثقافي#تركيا#الصحة النفسية
المصدر: New York Times

لفهم السياق

قراءات مرتبطة بنفس الملف أو آخر تطوراته