دولي🌐 Available in English٥ تشرين الأول ٢٠٢٦

إيران تتأهب للاستفادة من الفراغ الأمني بعد رحيل أمريكا عن العراق

إيران تتأهب للاستفادة من الفراغ الأمني بعد رحيل أمريكا عن العراق
DW World
D
DW World
المصدر الأصلي

بعد انسحاب القوات الأمريكية من العراق، تواجه إقليم كردستان فراغاً أمنياً خطيراً تسعى إيران لاستغلاله عبر استراتيجية احتواء بطيئة مدروسة. يُهدد الإقليم من الداخل الانقسامات السياسية العميقة بين الفصائل الرئيسة، بينما تعتمد إيران على هذا الضعف لتوسيع نفوذها على حدودها الغربية.

أعلن رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي رسمياً اعتبار الأول من أكتوبر يوماً "للسيادة والاستقلال"، احتفاءً بانتهاء المهمة العسكرية الأمريكية في العراق. وعمّ الفرح الأوساط السياسية في بغداد، فيما رحبت طهران والحرس الثوري الإسلامي والميليشيات الشيعية الموالية لإيران بهذه الخطوة.

إلا أن العاصمة إربيل، مقر إقليم كردستان العراقي، تعيش أجواءً مختلفة تماماً. بعد عقدين من الاعتماد على الحماية الأمريكية، يواجه الإقليم الآن أزمات متداخلة، من بينها ضغوط متزايدة من بغداد لمركزة السلطة وتهديدات عسكرية متصاعدة من دول الجوار، خاصة إيران.

**استراتيجية احتواء مرسومة بعناية**

التهديد الفوري لإقليم كردستان لا يتخذ شكل غزو عسكري شامل، بل هو بالأحرى تآكل بطيء ومدروس لاستقلاليته، بحسب ما يقول حسام دستپيش، محلل الشؤون الوسيط الأوروبية المتخصص بالشرق الأوسط ومقره بروكسل.

يصف دستپيش الاستراتيجية الإيرانية الشاملة تجاه إربيل بأنها عدائية وتركز بشكل كبير على الاحتواء. تسعى الجمهورية الإسلامية في نهاية الأمر إلى تجريد إقليم كردستان من نفوذه السياسي، وتحويله إلى جسم إداري بحت، وفقاً لما يؤكده الخبير.

قال دستپيش لقناة (DW): "الهدف الإيراني هو تحويل إقليم كردستان إلى مؤسسة لا تملك أي مجال للمناورة"، مشيراً إلى الضربات الإيرانية المتكررة في المنطقة والموجهة ـ حسب ادعاء طهران ـ نحو معسكرات جماعات معارضة كردية إيرانية.

في المقابل، يرى صلاح الدين خاديو، المحلل السياسي المقيم في مهاباد بإقليم كردستان الإيراني، أن الدول المجاورة لا تسعى بالضرورة إلى محو الاستقلالية الكردية بشكل كامل. بدلاً من ذلك، يؤكد خاديو أن طهران تتوخى كردستان "خاضعة وضعيفة".

من خلال التعامل المنفصل مع مراكز النفوذ المتنافسة في إربيل والسليمانية، تمكنت إيران من الحفاظ على نفوذها عبر الإقليم، بينما تسعى لمنع ظهور أي سلطة كردية موحدة كقوة مهيمنة على حدودها الغربية.

**الانقسام الداخلي، عرة مميتة**

رغم التحديات الخارجية، تأتي أكثر نقاط ضعف إقليم كردستان من الداخل. إرث الحرب الأهلية في التسعينات لا يزال حياً من خلال التنافس العميق الراسخ بين الفصيلتين الحاكمتين الرئيستين: الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني.

يؤكد حيوة محمود عثمان، محلل الشؤون العراقية والكردية في الشرق الأوسط، أن طهران تستغل هذا الاحتكاك الداخلي بكثافة. وقال لـ (DW): "قضت إيران عقوداً في إتقان التأثير السياسي داخل العراق. الحاجز الأكبر أمام الأكراد هو تشظيهم هم أنفسهم. وحين لا يكون هناك جبهة موحدة، يتسع المجال أمام القوى الأجنبية للتحرك".

حذّر أردشير باشانج، باحث الشؤون الوسيط الشرقية في طهران، من أن فشل القيادات الكردية في حل خلافاتها السياسية قد يؤدي في النهاية إلى انهيار إقليم كردستان ذاته ككيان سياسي.

**معضلة المعارضة الإيرانية**

تثير قضية وجود جماعات معارضة كردية إيرانية تلجأ إلى إقليم كردستان تعقيداً خاصاً. هذه الجماعات، التي واجهت تاريخياً قوات الدولة الإيرانية، تضطر الآن تحت ضغط هائل لنزع السلاح والرحيل.

يوضح دستپيش أن وجود هذه الجماعات يوفر لإيران ذريعة مناسبة لشن ضربات بطائرات مسيرة وصواريخ عبر الحدود. إلا أنه لا يتوقع أن تقدم إربيل على "استسلام تام"، كون الحفاظ على توازن مع هذه الجماعات ضروري لشرعية الإقليم محلياً وعلاقاته الخارجية.

يرى قصرة قریدغی، باحث العلوم السياسية المقيم في الولايات المتحدة، أن هذه الجماعات أصبحت الآن في موقع أضعف من أي وقت مضى. إذا استطاعت إيران توجيه الضربات إلى ملاجئها وقت كانت القوات الأمريكية مكتملة الانتشار ـ وتتويج ذلك بتوقيع اتفاق أمني بين بغداد وطهران عام 2023 ـ فإن نفوذ إربيل الآن يكاد يكون معدوماً، ما يمنح إيران قدرة أكبر بكثير على فرض تنازلات.

**الدبلوماسية المالية، السلاح الأمريكي الخفي**

رغم رحيل القوات الأمريكية، لم تختفِ النفوذ الأمريكي في العراق بالكامل. بل تحول نحو الشبكات المالية العالمية. يصف قریدغی هذا بأنه "إعادة محاذاة للقوة"، حيث تعمل الولايات المتحدة وتركيا والسعودية بمثابة موازنات طبيعية لنفوذ إيران المتزايد.

أيد عثمان هذه الرؤية، مشيراً إلى الاعتماد العراقي العميق على الدولار الأمريكي. يتيح هذا الارتباط الاقتصادي لوزارة الخزانة الأمريكية التأثير غير المباشر على الشؤون الداخلية العراقية، وحتى ضمان دفع رواتب موظفي الإقليم الكردي.

يصف خاديو هذا التحول الاستراتيجي بأنه انتقال أمريكي من دور "الموازن العسكري" إلى دور "المراقب الاقتصادي القوي".

إلا أن المحللين يشددون على أنه مع تراكم الضغوط الداخلية والخارجية، قد لا يكون لإقليم كردستان العراقي خيار سوى تضميد جراحه الداخلية وتقديم جبهة موحدة للحفاظ على استقلاليته وتحديد المكاسب الاستراتيجية الإيرانية في المنطقة.

🔗 شارك المقال

الوسوم:#العراق#كردستان#إيران#الانسحاب الأمريكي#الأمن الإقليمي#السياسة الخارجية
المصدر: DW World

لفهم السياق

قراءات مرتبطة بنفس الملف أو آخر تطوراته