انهيار وهم «المنقذ الأمريكي» في الصراع السعودي اليمني
Middle East Eye
M
Middle East Eye
المصدر الأصلي
ولّى زمن الاعتماد على واشنطن كمدافع أخير عن أمن الخليج. النظام الأمريكي في الشرق الأوسط انهار، وعلى دول المنطقة بناء نظام أمني شامل تقوده بنفسها.
للمرة الآنية، راهن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لحماية المملكة. وللمرة الآنية، خيّب ترامب آماله.
الأسبوع الماضي، عندما اجتاحت قوات الحوثيين السواحل اليمنية على البحر الأحمر، اتصل بن سلمان بترامب مرتين وحثّه على شن غارات أمريكية. رفض الرئيس الأمريكي، مكتفياً بتقديم المساعدات الاستخباراتية والدعم الموجّه للأهداف.
ما الذي جعل بن سلمان يتوقع موافقة ترامب بات اللغز الذي يسأل عنه الجميع. فهو خاض هذه التجربة من قبل.
عقب الهجمات على منشآت أبقيق والخريص النفطية السعودية في سبتمبر 2019 — الهجمات التي نسبتها واشنطن إلى إيران — تعرض ترامب لضغوط كي يرد على طهران. لكنه رفض، قائلاً صراحة لمراسلي الأنباء إنه لم يعد وعداً البتة بحماية السعودية.
سبع سنوات مضت، والافتراض ذاته لا يزال راسخاً في الرياض وسائر دول مجلس التعاون الخليجي: عندما يتعرض أمنهم لتهديد شديد، ستركض واشنطن لنجدتهم في النهاية. لكن هذا لن يحدث.
هذا الافتراض ليس خاطئاً فحسب. النظام الأمني الأمريكي في الشرق الأوسط انهار بالكامل. والتظاهر بعكس ذلك بات يشكّل خطراً متزايداً على أمن المنطقة.
كشفت حرب إيران أن هذا النظام لا موثوق ولا فعّال. القواعس العسكرية الأمريكية في دول المجلس أصبحت مصادر تهديد أمني بدلاً من أن تكون حامية أمنية. كانت الغاية منها منع إيران من شن حرب ضد دول المجلس، لكن الولايات المتحدة نفسها هي التي بدأت الحرب — رغم اعتراضات عدد من الدول الخليجية — وداخل تلك الحرب لم تستطع القواعد أن تردع إيران عن الهجوم.
بل على العكس، عملت القواعد كمغناطيس لاستجذاب الهجمات الإيرانية. اليوم، يعترف ديفيد بترايوس، مدير المخابرات الأمريكية السابق، بأن هذه القواعد لم تعد «قابلة للاستخدام» بسبب الأضرار الهائلة التي ألحقتها بها إيران. الولايات المتحدة لم تستطع حماية قواعدها من الهجمات الإيرانية، وبالتالي فهي لن تستطيع حماية دول المجلس.
بناء نظام جديد
رغم أن المظلة الأمريكية وفّرت الأمن لعدة سنوات، إلا أن النظام الذي قامت عليه — والمتمحور حول استثناء إيران واحتوائها — مهّد الطريق للحرب الكارثية التي نشهدها اليوم. تشكيل الكتل التي ولّدها هذا النظام وأبقى عليها أصبح مصدراً للعدم الاستقرار بدلاً من أن يكون درعاً واقية لشركاء واشنطن الإقليميين.
لكن مع كل أزمة تأتي فرص. انهيار النظام القديم يفتح الباب لبناء نظام جديد في المنطقة — نظام يتمحور حول الأمن الجماعي الشامل، ينبذ تشكيل الكتل، ويستند إلى كاهل القوى الإقليمية نفسها بدلاً من أن تكفله قوى خارجية.
هذا يعني الانتقال بعيداً عن نظام تسعى الولايات المتحدة فيه إلى تنظيم نصف المنطقة ضد النصف الآخر، نحو نظام تطوّر فيه الدول الإقليمية مؤسسات لإدارة تنافسياتها.
لا يمكن استثناء إيران بشكل دائم. يجب أن تجد إسرائيل طريقاً نحو هذا النظام إذا أنهت احتلالها غير القانوني لفلسطين. لا يمكن لدول المجلس أن تبقى معتمدة بشكل دائم على واشنطن.
لا يمكن التعامل مع تركيا وباكستان والعراق كدول هامشية، ولا يمكن توقّع ازدهار الدول الصغيرة أو بقاء استقلالها عبر الاصطفاف بجانب الراعي الخارجي المناسب.
هذا هو أساس النموذج الذي طوّره مشروع «النظام الأفضل» بمعهد كينسي: استبدال نظام الردع والتحالفات والتدخل الخارجي الفاشل في المنطقة بعمارة أمنية إقليمية شاملة.
ستشارك جميع الدول الرئيسة في المنطقة — بما فيها إيران وتركيا والعراق والدول العربية الأخرى — في مؤسسة دائمة مصمّمة لإدارة، وليس حل، تنافسياتها الحتمية. ستضع هذه المؤسسة آليات للتواصل في الأزمات والفصل بين النزاعات، ومنع النزاعات والوساطة، والتحكم بالأسلحة وتدابير بناء الثقة، بالإضافة إلى التعاون حول التحديات المشتركة مثل المياه والمناخ والتنمية الاقتصادية.
ستتولى الدول الإقليمية المسؤولية الأساسية عن الأمن الإقليمي، فيما تبقى الولايات المتحدة شريكاً خارجياً مهماً — توفّر الدعم الدبلوماسي والاقتصادي وحيث تتفق الجميع عليه الدعم الأمني — دون أن تلعب دور الضامن العسكري الدائم للمنطقة.
حافز قوي
الأهم من ذلك، أن هذه العمارة لن تعامل الوضع في الخليج على أنه منفصل عن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. ترتيب أمني جديد في الخليج يترك الصراع الإسرائيلي الفلسطيني دون حل سيعيد إنتاج مصدر آخر لعدم الاستقرار الإقليمي.
النموذج المثالي إذن سيشترط أن يكون الباب مفتوحاً دائماً أمام إسرائيل للانضمام إلى هذا النظام، لكن تذكرة الدخول هي إقامة دولة فلسطينية على حدود 1967.
يمكن لهذا أن يوفّر أقوى حافز حتى الآن كي تتخلى إسرائيل عن احتلالها العقيم وغير القانوني لأراضي فلسطين. بخلاف مبادرة السلام العربية عام 2002، التي عرضت اعترافاً مقابل اعتراف، أو اتفاقيات إبراهيم التي تعرض تطبيعاً مقابل تطبيع، فإن اقتراح «النظام الأفضل» يعرض على إسرائيل الاندماج في العمارة الأمنية الإقليمية — بشرط احترام حقوق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير والدولة.
هذا سيكون أيضاً فوزاً للولايات المتحدة، التي طالما فضّل شعبها إعادة جنودها من الشرق الأوسط، وسط استياء واسع من إنفاق الموارد الأمريكية في المنطقة بدلاً من المنزل.
ستستطيع الولايات المتحدة أن تبقى منخرطة بعمق — دبلوماسياً واقتصادياً واستراتيجياً — مع تقليل الحمل العسكري الذي تحمّلته لعقود. ستتولى الدول الإقليمية مسؤولية أكبر عن أمنها، لكنها ستفعل ذلك بشكل جماعي، وليس عبر سباق تسلح أو كتل متنافسة.
في ضوء وضع الشرق الأوسط الراهن، قد تبدو هذه الأفكار ساذجة. لكن من رماد أحلك فصول التاريخ الإنساني ظهرت مسارات رؤيوية نحو الأمن والاستقرار.
ولدت الاتحاد الأوروبي من دمار الحرب العالمية الثانية، وحوّل التنافس الفرنسي الألماني الذي استمر قروناً إلى أساس مشروع أوروبي مشترك. وظهرت عملية هلسنكي في ذروة الحرب الباردة، عندما كانت أوروبا منقسمة بين خصوم مسلحين بالأسلحة النووية — ومع ذلك أسست قواعد ومؤسسات لإدارة ذلك التنافس.
يمكن لحرب إيران أن تكون صراعاً مدمّراً آخر في الشرق الأوسط لا يترك سوى طريق من المعاناة والدمار — أو يمكن تحويلها إلى نقطة تحوّل تضع المنطقة على مسار نحو مستقبل أكثر سلماً واستقراراً.
لن يحدث أي من هذا بمحض الصدفة. سيحدث فقط إذا رأى القادة الإقليميون بلادهم ذاتها بوصفها الحل للمستقبل، بدلاً من الانتظار لجرس هاتف من مُنقذ أمريكي وهمي.