الإيطاليون رفضوا المكيفات طويلاً.. ثم اشتدت الحرارة
New York Times
N
New York Times
المصدر الأصلي
ظل الإيطاليون يقاومون تركيب أجهزة التكييف لعقود، معتبرين إياها غير ضرورية وضارة بالصحة، لكن موجات الحر القياسية التي ضربت أوروبا في السنوات الأخيرة أجبرتهم على إعادة النظر في هذا الموقف التقليدي. اليوم، ترى الطلب على المكيفات ارتفاعاً حاداً في إيطاليا وسط مخاوف من الاحترار المناخي المتسارع.
لم يكن المناخ المعتدل في إيطاليا يستدعي، في السابق، حاجة ماسة إلى أجهزة تكييف الهواء. لكن الواقع تبدل جذرياً. موجات حر متطرفة اجتاحت أوروبا في السنوات الأخيرة، وأجبرت ملايين الإيطاليين على التخلي عن معتقدات موروثة عن الحياة بدون تكييف.
عقود طويلة، اعتبر الإيطاليون أن المكيفات رفاهية غير ضرورية، بل كانوا يخشون من آثارها الصحية. كانت هناك قناعة سائدة بأن الهواء البارد الصناعي يسبب نزلات برد، وأن فتح النوافذ والاستفادة من النسيم الطبيعي هو الطريقة الأفضل والأصح للعيش. أضف إلى ذلك الاعتبارات البيئية والاقتصادية التي جعلت عديدين يعزفون عن تركيب هذه الأجهزة.
لكن درجات الحرارة التي تحطم الأرقام القياسية غيّرت كل شيء. في صيف 2023، شهدت إيطاليا وحوض البحر المتوسط حراً لم يُشهَد من قبل. وصلت درجات الحرارة في بعض المدن إلى 48 درجة مئوية، ما أدى إلى وفيات مرتبطة بالإرهاق الحراري، خاصة بين كبار السن والفئات الضعيفة.
في مواجهة هذه الأزمة، لجأ الإيطاليون إلى حل لطالما رفضوه. ارتفع الطلب على أجهزة التكييف بشكل قياسي. التجار والمتاجر الكبرى شهدوا إقبالاً غير مسبوق على شراء المكيفات والمراوح والأجهزة التبريدية. قوائم الانتظار امتدت، والأسعار ارتفعت، والحرفيون الذين يقومون بالتركيب وجدوا أنفسهم مشغولين بلا هوادة.
أنطونيو ميلاني، خبير في الاتجاهات الاجتماعية بجامعة بادوفا، يقول إن هذا التحول يعكس حقيقة مرعبة: "الإيطاليون يدركون الآن أن المناخ لم يعد ما اعتادوه. الصيف لم يعد فترة مريحة نسبياً؛ بل أصبح خطراً حقيقياً على الحياة."
ولا يقتصر التأثير على الأسر الفردية. المدارس والمستشفيات والمكاتب الحكومية استثمرت بملايين اليورو لتركيب أنظمة تكييف جديدة أو ترقية الأنظمة الموجودة. الشركات الخاصة أيضاً أدركت أن توفير بيئة عمل مريحة ليس من الكماليات، بل من الضروريات للإنتاجية وراحة الموظفين.
مع ذلك، ليس التحول سلساً تماماً. البعض يرى فيه تنازلاً عن الهوية الثقافية. "نحن نفقد جزءاً من طريقة حياتنا،" تقول ليزا روسي، معلمة متقاعدة من ميلانو. "المكيفات تغير طريقة معيشتنا وتباعدنا عن الطبيعة."
هناك أيضاً مخاوف بيئية. تساهم أجهزة التكييف، خاصة القديمة منها، في انبعاثات الغازات الدفيئة. بينما توفر التبريد، فإنها تزيد من استهلاك الطاقة بشكل كبير، مما يفاقم مشكلة تغير المناخ نفسها. الحكومة الإيطالية حاولت التعامل مع هذا التناقض من خلال تقديم إعانات للتثبيت التوسيع الأنظمة التكييف الصديقة للبيئة والمزودة بتكنولوجيا متطورة.
في الوقت نفسه، يحذر الخبراء من أن الاعتماد على التكييف وحده ليس حلاً كافياً. التخطيط الحضري، وإعادة تصميم المباني لتقليل امتصاص الحرارة، وزيادة المساحات الخضراء في المدن، كل هذا جزء من استراتيجية أوسع للتكيف مع المناخ المتغير.
تشير البيانات المناخية إلى أن الوضع سيزداد سوءاً. خلال السنوات القادمة، ستشهد أوروبا موجات حر أكثر تكراراً وشدة. هذا يعني أن الطلب على التكييف سيستمر في الارتفاع، وأن الحكومات والشركات ستحتاج إلى استثمارات ضخمة لمعالجة هذا التحدي.
بالنسبة للإيطاليين، فإن هذا التحول يمثل انقطاعاً عن الماضي. لكنه أيضاً شهادة على المرونة والقدرة على التكيف. عندما تهددت الحرارة الصحة والأرواح، لم يتردد الناس طويلاً؛ فاختاروا البقاء والراحة على التشبث بالتقاليد وحدها.
وراء هذا التغيير الظاهر يكمن سؤال أعمق: كيف ستتعايش المجتمعات الإنسانية مع كوكب يزداد حراً؟ إيطاليا، مثل كثير من دول العالم، لا تزال تبحث عن الإجابة. والمكيفات التي تملأ الآن واجهات المدن الإيطالية هي رمز لهذا البحث الملح والمحموم عن حل.