يشهد الخليج توترات متزايدة بين السعودية والإمارات، لكن تقاربهما الأخير قد يفتح الباب أمام جبهة موحدة تواجه التهديدات الإيرانية المستمرة. يتطلب هذا التعاون تنسيقاً في الردع والتفاوض والحفاظ على حرية الملاحة في المياه الإقليمية.
أطلقت كبار المسؤولين الإماراتيين والسعوديين، في الأسابيع الأخيرة، رسائل تنسيقية تؤكد متانة الروابط بين البلدين، بعد فترة من التوتر الملحوظ. وبينما يبقى من المبكر التنبؤ بترجمة هذه الإشارات إلى خطوات عملية ملموسة، فإن تخفيف حتى المعتدل من التوترات السعودية الإماراتية قد يتيح للدول الخليجية صياغة استجابة أكثر فعالية لمواجهة التهديدات المتواصلة القادمة من طهران.
الحاجة إلى التنسيق أصبحت ملحة أكثر من أي وقت مضى. يواجه الإقليم جولة جديدة من التصعيد بين إيران والولايات المتحدة، إلى جانب أزمة متنامية متعلقة بنشاط الحوثيين في باب المندب قد تفضي إلى حصار مزدوج للممرات المائية الحيوية. وحتى لو انحسرت الاشتباكات العسكرية، فإن طهران لن تتخلى بالمرجح عن استراتيجيتها في تهديد دول الجوار والضغط على مضيق هرمز، خاصة وهي تسعى لإعادة بناء قدراتها العسكرية والاقتصادية المنهكة. وليس هناك ما يبرر الاعتقاد بأن مفاوضات أمريكية إيرانية محتملة ستعالج بشكل كامل المخاوف الأمنية للدول الخليجية.
هذا كله يعني أن دول الخليج لا تستطيع الاتكال على واشنطن أو على التفاوضات الثنائية مع طهران لحل معضلاتها الأمنية. بدلاً من ذلك، يوفر تعاون أكثر تنسيقاً بين عواصم الخليج أفضل سبيل للمضي قدماً. وتستلزم هذه الاستراتيجية ثلاثة عناصر أساسية.
العنصر الأول هو الردع. لقد انكشفت حدود المظلة الأمنية الأمريكية. فهجمات إيران بالطائرات بدون طيار على الأهداف الاقتصادية في الخليج تجسد واقعاً واضحاً مفاده أن الردع عبر الحرمان، حتى مع وجود أنظمة دفاع صاروخي متقدمة، لن يكون كافياً. تواجه دول الخليج الآن تحدياً شائكاً يتمثل في إقناع إيران بأن مواصلة الهجمات على الخليج أو تعطيل الملاحة في هرمز سيترتب عليها تكاليف لا تحتملها. وبينما يجب أن تستمر في الاستثمار في أنظمة دفاعية جوية وصاروخية أقوى وأكثر تكاملاً، فإن هذا يستوجب تحديد خطوط حمراء جماعية مستعدة للدفاع عنها.
وفي الحد الأدنى، يجب أن تشمل الخطوط الحمراء مبدأ مفاده أن أي هجوم على دولة خليجية واحدة سيستتبعه رد من جميع دول الخليج. لن يكون هذا الرد بالضرورة عسكرياً، لكنه سيشهد تعبئة جميع العواصم الخليجية لنفوذها الفريد. من الناحية النظرية، تتمتع دول الخليج بموقع متقدم لتعبئة الأدوات العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية ضد إيران، بالتعاون مع شركاء أوروبيين وآسيويين. لكن التحدي الأكبر يكمن في استعدادها لاستخدام تلك الأدوات وتأثيرها على حسابات نظام تحمل بالفعل معاناة جسيمة، خاصة على الصعيد العسكري.
مع سعي إيران للتعافي من الآثار العسكرية، تبدو الأدوات الاقتصادية والدبلوماسية الخليجية أكثر فاعلية من الخيارات العسكرية. يمكن أن تشمل هذه قطع الروابط التجارية الكبيرة التي لا تزال قائمة بين بعض دول الخليج وإيران، وإغلاق أسواق الصرافة والشركات الوهمية وممرات إعادة الشحن الموجودة في الخليج والتي لعبت دوراً محورياً في تجاوز العقوبات الإيرانية لسنوات.
لكن الردع الخليجي المنسق لن ينجح إلا إذا اتفقت السعودية والإمارات على خطة لتواصل وتنفيذ خطوط حمراء متسقة. فإذا سعت دولة واحدة لتعبئة ردع مستقل عن جيرانها، ستتمكن إيران ببساطة من عزل تلك الدولة: إذا كانت جميع السفن قادرة على العبور عبر هرمز باستثناء السفن الإماراتية، سيكون من الأصعب بكثير تعبئة أي إجراء دولي. وإذا كانت جميع العواصم الخليجية آمنة باستثناء دبي، ستنتقل العواصم والشركات والمقار الرئيسية إلى الرياض والدوحة. قد تختار دول خليجية أخرى، وخاصة عمان، عدم المشاركة في رد خليجي موحد ضد إيران، لكن عليها الالتزام بعدم تقويض إجراءات الردع الخليجية، مثل فتح قنوات جديدة لتجاوز العقوبات الإيرانية.
الأولوية الثانية هي التفاوض المشروط. يمثل الدعم الاقتصادي المشروط لطهران أداة مهمة لدول الخليج، لكنه سيكون فعالاً فقط إذا التزمت جميع العواصم الخليجية بشروط متسقة.