دولي🌐 Available in English٢٤ أيلول ٢٠٢٦

أوروبا تحذر من الهجمات الروسية الهجينة لكنها عاجزة عن مواجهتها

أوروبا تحذر من الهجمات الروسية الهجينة لكنها عاجزة عن مواجهتها
New York Times
N
New York Times
المصدر الأصلي

تحذر الدول الأوروبية من تصاعد الهجمات الروسية الهجينة التي تجمع بين العمليات العسكرية والسيبرانية والمعلوماتية، لكنها تواجه صعوبات جمة في تطوير آليات دفاع فعّالة ضد هذه التهديدات المتنوعة والمعقدة.

تشهد أوروبا موجة متصاعدة من الهجمات الروسية الهجينة التي تتجاوز الأساليب العسكرية التقليدية، لتشمل عمليات سيبرانية وحملات معلوماتية منسقة وتخريباً للبنى الأساسية المدنية. وبينما أصدرت عواصم أوروبية الكثير من التحذيرات والتصريحات حول هذه المخاطر، يكشف الواقع الميداني عن فجوة واسعة بين الوعي بالتهديد والقدرة الفعلية على مواجهته.

تجمع الهجمات الهجينة بين استراتيجيات متعددة الأوجه. فقد شهدت دول بحر البلطيق وأوروبا الشرقية بشكل خاص، سلسلة من العمليات التخريبية التي استهدفت كابلات الكهرباء وخطوط الملاحة والبنية التحتية للاتصالات. وفي الوقت ذاته، تقوم روسيا بنشر حملات تضليل واسعة النطاق عبر وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الموالي لها، بهدف تقويض الثقة بالمؤسسات الديمقراطية وزعزعة الاستقرار السياسي في القارة.

يؤكد خبراء الأمن الأوروبيون أن روسيا نجحت في حساب ضعيفة الاستجابة الأوروبية. فبينما ينصب التركيز الأمني التقليدي على التهديدات العسكرية المباشرة والهجمات السيبرانية الكبرى، تستغل موسكو الفراغات في الدفاع الأوروبي من خلال عمليات منخفضة الحدة، يصعب نسبتها بشكل قاطع إليها، وبالتالي يصعب الرد عليها بشكل حاسم.

أشارت تقارير استخباراتية أوروبية إلى أن الهجمات الروسية الأخيرة لم تقتصر على الجوانب العسكرية بالمعنى الضيق. بل امتدت لتشمل تخريب العمليات الانتخابية، وتمويل أحزاب سياسية موالية لموسكو، والعمل على تعميق الانقسامات الاجتماعية والعرقية في الدول الأوروبية. كما وثّقت الأجهزة الأمنية عمليات تجسس متطورة استهدفت البنية التحتية الحيوية والمنشآت العسكرية الحساسة.

في محاولة للتصدي لهذه التهديدات، عقدت الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو اجتماعات طوارئ متعددة. وأعلن المسؤولون الأوروبيون عن خطط لتعزيز الدفاعات السيبرانية وتحسين التنسيق الاستخباراتي بين الدول الأعضاء. غير أن محللين مستقلين يشككون في جدوى هذه الإجراءات ويرجعون السبب إلى عدم وجود استراتيجية موحدة شاملة وتشرذم الجهود الأمنية بين دول الاتحاد.

واحدة من أبرز المشاكل التي تواجهها أوروبا تتعلق بإثبات المسؤولية الروسية بشكل قاطع. فالعمليات الهجينة موصوفة بالضبابية، حيث تستخدم روسيا جهات وسيطة وأدوات يمكن إنكار وجود علاقة رسمية بها. هذا يعقّد الخطوات القانونية والعقابية الممكنة، ويحول دون اتخاذ ردود موحدة قوية تحت مظلة الناتو أو الاتحاد الأوروبي.

علاوة على ذلك، تكافح الدول الأوروبية من أجل تطوير عقيدة دفاعية موحدة ضد هذا النمط من الهجمات. فالعقيدة العسكرية التقليدية تفترض وجود عدو واضح المعالم وأهداف عسكرية محددة، بينما الهجمات الهجينة تتسم بالتدرج والتطور المستمر والتكيف السريع مع الدفاعات المضادة. هذا يتطلب من الدول الأوروبية مراجعة جذرية لمفاهيمها الأمنية وتطوير قدرات دفاعية متعددة الجوانب لم تعهدها من قبل.

يؤكد محللون في مراكز الدراسات الأوروبية أن التحدي الأساسي يكمن في عدم توفر أدوات قانونية وسياسية فعّالة للرد على الهجمات الهجينة. فالقانون الدولي لم يتطور بعد ليواكب هذا النوع من التهديدات، والردود العسكرية التقليدية تبدو غير متناسبة وقد تؤدي لتصعيد عسكري غير مرغوب. هذا يترك أوروبا في موقف دفاعي محرج، حيث تتلقى الضربات دون أن تملك خيارات رد فعّالة وواضحة.

في السياق ذاته، أعرب قادة أوروبيون عن قلق متزايد من أن هذه الهجمات قد تكون بمثابة اختبار لأوروبا ومقياس لرغبة الدول الأوروبية والناتو في المواجهة. ويرى محللون أن موسكو قد تكون تختبر حدود الرد الأوروبي، بهدف فهم الخطوط الحمراء الفعلية والقدرات الحقيقية للدفاع الأوروبي، تمهيداً لعمليات أكبر وأكثر جرأة في المستقبل.

أثار الأمر استياء واشنطن أيضاً، حيث أعربت الإدارة الأمريكية عن أسفها لعدم اتخاذ الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو خطوات أكثر حسماً للرد على الهجمات الروسية. وطالبت الولايات المتحدة بتعزيز الإنفاق الدفاعي الأوروبي وتطوير قدرات هجومية ردعية ضد روسيا، لكن هذه الدعوات اصطدمت بتردد أوروبي حول إمكانية تطبيق عقيدة الردع الأمريكي في السياق الأوروبي.

في الأشهر الماضية، اجتمعت دول الاتحاد الأوروبي عدة مرات لمناقشة تعزيز التعاون الأمني والاستخباراتي. إلا أن هذه الاجتماعات كشفت عن خلافات حادة حول كيفية التصدي للتهديد الروسي. فدول بحر البلطيق وأوروبا الشرقية تطالب بردود أكثر حسماً وقد تحبذ حتى عمليات ردع عسكري مضاد، بينما دول غرب أوروبا الكبرى تفضل نهجاً أكثر حذراً، مخافة من التصعيد العسكري أو التأثير السلبي على مصالحها الاقتصادية وتجارتها مع روسيا.

كما يواجه الاتحاد الأوروبي تحديات في مجال الوعي العام والدفاع الاستراتيجي. حيث تنجح حملات التضليل الروسية في التأثير على الرأي العام في عدد من الدول الأوروبية، مما يزيد من الانقسامات السياسية الداخلية ويضعف الإرادة الموحدة للقارة في مواجهة التهديد الروسي. ويشير الخبراء إلى أن هذا يمثل ربما أخطر جوانب الهجمات الهجينة الروسية، حيث تستهدف البنية الأساسية للديمقراطيات الأوروبية نفسها.

على الرغم من كل هذه التحديات، لا تزال دول أوروبية عديدة تحاول تطوير آليات جديدة للدفاع والردع. فقد أنشأت بعض الدول وحدات متخصصة للتعامل مع الهجمات الهجينة، وطورت تشريعات جديدة تحاول الإحاطة بمختلف جوانب هذا التهديد. غير أن الخبراء يؤكدون أن هذه الجهود، رغم أهميتها، تبقى محدودة وغير كافية في مواجهة نطاق وتنوع الهجمات الروسية المستمرة.

يأتي كل هذا في وقت تشهد فيه العلاقات الأوروبية الروسية توتراً متزايداً. فقد فرضت أوروبا والولايات المتحدة عقوبات صارمة على روسيا، لكن الهجمات الهجينة تستمر وتتطور، مما يعكس استراتيجية روسية متعمدة لاختبار صبر أوروبا وقدرتها على التحمل والرد الموحد.

في الختام، يبدو أن أوروبا وجدت نفسها في مأزق حقيقي: هي تدرك حقيقة التهديد الروسي الهجين وتحذر من خطورته، لكنها تفتقر إلى الأدوات القانونية والعسكرية والسياسية الفعّالة للرد عليه بشكل حاسم ومنسق. وحتى وإن اتفقت على إجراءات دفاعية، فإن تنفيذها يبقى معقداً ومقيداً بالاعتبارات السياسية المحلية والانقسامات بين دول الاتحاد. وما لم تستطع أوروبا تطوير استراتيجية شاملة موحدة واستعادة الوحدة السياسية اللازمة، فقد تبقى عرضة لموجات متكررة من هذه الهجمات الروسية الماكرة والمرنة.

🔗 شارك المقال

الوسوم:#روسيا#أوروبا#الهجمات الهجينة#الأمن السيبراني#حلف الناتو#الاتحاد الأوروبي
المصدر: New York Times

لفهم السياق

قراءات مرتبطة بنفس الملف أو آخر تطوراته