يواجه اليمن خطراً متزايداً من العودة إلى دوامة الصراع المسلح بعد فترة من الهدوء النسبي، وسط تصعيد عسكري من قبل أطراف النزاع الرئيسية. تتقاطع المصالح الإقليمية والدولية على أراضي البلاد، مما يهدد بإشعال حرب أهلية جديدة ذات تداعيات إنسانية كارثية.
يقف اليمن على شفا جرف خطير. بعد سنوات من الحرب الأهلية التيخلّفت مئات الآلاف من القتلى وأزمة إنسانية مروّعة، تعود إشارات التحذير من تجدد النزاع المسلح بقوة متجددة، وتحمل في طياتها احتمالات كارثية أسوأ من الماضي.
في الأسابيع الأخيرة، شهدت المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة المعترف بها دولياً في اليمن، والمناطق التي تسيطر عليها جماعة الحوثيين، تصعيداً عسكرياً حاداً لم يشهده البلد منذ وقف إطلاق النار غير الرسمي الذي ساد المشهد اليمني في السنوات الأخيرة. ويصاحب هذا التصعيد تحركات دبلوماسية محتدمة من دول الجوار والقوى الإقليمية الكبرى، كل منها تسعى لتعزيز نفوذها وحماية مصالحها على أراضي هذه الدولة الاستراتيجية.
الحوثيون، الجماعة المسلحة التي تسيطر على أكثر الشمال اليمني اكتظاظاً بالسكان، يقولون إنهم يردون على ما يصفونه بـ "التهديدات المتكررة" من قوات حكومية مدعومة من الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية. وفي المقابل، تتهم الحكومة الحوثيين بالسعي إلى فرض سيطرة عسكرية كاملة على البلاد، وباستخدام مناطقهم الخاضعة لسيطرتهم كمنصة لشن هجمات ضد الملاحة البحرية والأراضي الخليجية.
وتزيد من حدة المخاوف من تجدد الحرب مؤشرات متعددة: انسحاب بطيء ولكن ملحوظ للقوات العاملة على تخفيف التوترات، ومشاركة متزايدة من الوسطاء الدوليين بلا نتائج ملموسة، وبناء تحصينات عسكرية جديدة في مناطق حدودية حساسة. كما أظهرت تقارير استخبارات أن عمليات تسليح واسعة النطاق جارية على جانبي الخطوط الأمامية.
السياق الإقليمي الأوسع يفاقم من أزمة اليمن. فالتوترات بين إيران والدول الخليجية، وتنافس السعودية والإمارات الحاد على النفوذ، واستمرار عدم الاستقرار في سوريا والعراق، كل هذا يجعل اليمن نقطة اشتعال محتملة قد تشعل حريقاً إقليمياً أوسع.
المراقبون الدوليون يحذرون من أن عودة الحرب إلى اليمن ستكون بمثابة كارثة إنسانية لا تُقدّر بثمن. فالبلاد تئن تحت وطأة أزمة إنسانية حادة حالياً، حيث يعاني ملايين اليمنيين من نقص الغذاء والماء والكهرباء والخدمات الطبية. وأي عودة للأعمال القتالية الواسعة ستقوّض بشكل حتمي الجهود الإنسانية الهشة، وستجبر أعداداً أكبر من السكان على الهجرة القسرية.
منظمات حقوق الإنسان الدولية تدق ناقوس الخطر: الحرب السابقة في اليمن أودت بحياة أكثر من 300 ألف شخص بشكل مباشر وغير مباشر، وشردت ملايين آخرين. والحرب الجديدة قد تفوق سابقتها في حدتها وشمولها، خاصة إذا تحولت إلى صراع محدود الأهداف إلى نزاع شامل على السلطة والموارد.
الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً تؤكد أنها ملتزمة بالسلام، لكنها تحتفظ بحق الدفاع عن نفسها ضد ما تسميه "التوسع العدواني" للحوثيين. وقالت مصادر حكومية إن أي محادثات سلام مستقبلية يجب أن تُبنى على أساس نزع سلاح الميليشيات والالتزام الكامل بقرارات الأمم المتحدة.
مجلس الأمن الدولي، الذي تابع ملف اليمن باهتمام محدود في السنوات الأخيرة، بدأ يُصدر تحذيرات متكررة. وطالب المبعوث الأممي الخاص باليمن بفتح قنوات حوار عاجلة بين الأطراف المتنازعة قبل انقطاع الطريق أمام السلام.
من جانب آخر، تراقب الدول الغربية التطورات بقلق متزايد. فاستقرار اليمن يؤثر مباشرة على الملاحة البحرية الدولية عبر مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية العالمية. وأي صراع جديد قد يهدد حركة التجارة العالمية وأسعار الطاقة.
الخبراء المتخصصون في شؤون الشرق الأوسط يتفقون على أن النافذة الزمنية للتدخل الدبلوماسي الجاد تضيق بسرعة. ويحذرون من أن التأخر في المبادرات السلمية الجدية قد يُفقد العالم فرصة أخيرة لوقف الانزلاق نحو كارثة إنسانية جديدة.
في هذا السياق المتأزم، تبقى آمال السلام معلقة على قدرة المجتمع الدولي على الضغط على الأطراف اليمنية نحو الحوار والتفاوض الجاد، قبل فوات الأوان.