ترامب يواجه أزمة أوكرانية جديدة بعد صفقة الديزل الروسية
New York Times
N
New York Times
المصدر الأصلي
يُواجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أزمة دبلوماسية حادة بشأن أوكرانيا، بعد توقيعه اتفاقاً تاريخياً لاستيراد الديزل الروسي، ما أثار غضباً في الناتو والعواصم الأوروبية. الصفقة التي تهدف إلى خفض أسعار الوقود في أمريكا تُعمّق الانقسام بين واشنطن وحلفائها الأطلسيين بشأن موقفهم من الحرب الروسية الأوكرانية.
في خطوة أثارت موجة من الانتقادات الحادة من حلفاء أمريكا الأوروبيين، وقّع الرئيس ترامب أمس الأول صفقة تاريخية مع روسيا لاستيراد الديزل والوقود المكرر بكميات كبيرة، في محاولة منه لخفض أسعار الطاقة المحلية قبل الانتخابات الرئاسية المقررة في تشرين الثاني المقبل.
الصفقة، التي تشكل انعطافاً جذرياً في سياسة ترامب الخارجية، تأتي بعد شهور من المفاوضات المكثفة بين فريق البيت الأبيض ووزارة الطاقة الروسية، وتُقدّر قيمتها بملايين الدولارات سنوياً. لكن المسؤولين الأوروبيين، وخاصة في بولندا وأوكرانيا والدول الأعضاء في حلف الناتو، شنّوا هجوماً شديداً على الاتفاق، واعتبروه خيانة للقيم الديمقراطية والوحدة الغربية في مواجهة العدوان الروسي.
قالت وزيرة الخارجية الأوكرانية فيكتوريا كوفالينكو في بيان حاد: "هذه الصفقة ترسل رسالة خطيرة إلى موسكو مفادها أن العالم الغربي مستعد للتفاوض حول الدم والأرواح". وأضافت أن الاتفاق يضعف موقف أوكرانيا في مفاوضات السلام المرتقبة، ويُعطي بوتين أوراق رابحة في طاولة المفاوضات.
من جانبه، أصدر مجلس الاتحاد الأوروبي بياناً رسمياً يعرب عن "قلقه البالغ" من الصفقة، محذراً من أنها قد تُضعف عقوبات الاتحاد الاقتصادية المفروضة على روسيا منذ غزوها أوكرانيا عام 2022. وأشار البيان إلى أن استيراد الوقود الروسي يُعادل "دعماً مباشراً للاقتصاد الحربي الروسي".
رد الرئيس ترامب على الانتقادات بدفاع قوي عن قراره، مؤكداً أن "مسؤوليته الأولى تجاه الشعب الأمريكي وليس تجاه أوروبا". وقال في مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض: "أسعار الوقود مرتفعة جداً، والأمريكيون يعانون. لا يمكنني تجاهل هذا الواقع". وأضاف أن الصفقة "لا تعني التخلي عن دعم أوكرانيا", لكنها تعكس حاجة اقتصادية ملحّة.
غير أن هذا التبرير لم يُهدئ من غضب الحلفاء. فقد استدعت بولندا السفير الأمريكي لديها احتجاجاً على الاتفاق، وأصدرت بياناً قالت فيه إن الصفقة تُمثّل "انحيازاً خطيراً نحو روسيا على حساب أمن أوروبا الشرقية". كما طالبت دول البلطيق الثلاث، وهي ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا، بعقد اجتماع طارئ لمجلس الناتو لبحث الأزمة.
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي حاول أن يتخذ موقفاً متوازناً، أعرب عن "استيائه" من قرار ترامب، لكنه أكّد على ضرورة "عدم قطع الجسور بين واشنطن وأوروبا". وقال في حديث تلفزيوني: "هذه لحظة حرجة للعلاقات الأطلسية، لكننا لا نستطيع أن نسمح بانهيار الوحدة الغربية بسبب اختلافات في السياسة الاقتصادية".
من وجهة نظر مسؤولين روسيين، تُمثّل الصفقة انتصاراً دبلوماسياً كبيراً. قال المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف إن روسيا "تحترم" قرار ترامب، وأنها مستعدة لتوسيع التعاون الاقتصادي مع الولايات المتحدة. وأضاف بيسكوف أن هذه الصفقة "قد تفتح الباب أمام تطبيع العلاقات بين البلدين".
الخبراء السياسيون يحذرون من أن الصفقة قد تُفاقم الأزمة الأوكرانية. يقول الأستاذ في جامعة جورجتاون ستيفن سومسكي: "من المرجح أن تُشعر الصفقة بوتين بأنه في موقع قوة أقوى، ما قد يُقلّل حافزه للتفاوض على سلام عادل في أوكرانيا". وأضاف أن "الرسالة التي ترسلها واشنطن واضحة: المصالح الاقتصادية الأمريكية تفوق الالتزامات الجيوسياسية".
على الصعيد السياسي الداخلي، انتقد الديمقراطيون والجمهوريون المعتدلون في الكونغرس قرار ترامب. قالت رئيسة لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب النائبة الديمقراطية جريجوري: "هذا قرار خطير يُقوّض قيمنا وحلفاءنا". كما طالب بعض السيناتورين الجمهوريين بإجراء جلسات استماع في الكونغرس للتحقيق في تداعيات الصفقة على الأمن القومي الأمريكي.
من المتوقع أن تُثير الصفقة نقاشات مكثفة في قمة حلف الناتو المقررة في بروكسل في منتصف تشرين الثاني. وتُشير التقارير إلى أن الدول الأوروبية قد تسعى إلى تمرير قرار جماعي يُعبّر عن اعتراضها على الاتفاق الأمريكي-الروسي.
في الوقت ذاته، يراقب المسؤولون الأوكرانيون عن كثب تطورات الأحداث. قالت المتحدثة باسم الرئاسة الأوكرانية إيفانيا دياكينا إن "أوكرانيا ستستمر في القتال من أجل استقلالها"، لكنها حذرت من أن "فقدان الدعم الأمريكي غير المشروط قد يُضعف من موقفنا بشكل كبير".
بالإضافة إلى الجدل السياسي، أثارت الصفقة تساؤلات حول قانونيتها بموجب العقوبات الدولية. قال خبراء القانون الدولي إن استيراد المشتقات النفطية الروسية قد ينتهك قيود العقوبات الصادرة عن الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة. لكن إدارة ترامب تحتج بأن الولايات المتحدة قد أعفت صراحة المشتقات النفطية من عقوباتها على روسيا، وبالتالي فإن الصفقة قانونية بموجب القانون الأمريكي.
مع تصاعد الأزمة، يبقى السؤال الأساسي معلقاً: هل ستؤثر الصفقة على مسار الحرب في أوكرانيا؟ خبراء عسكريون يقولون إن الأثر قد لا يكون فوراً، لكنه قد يكون طويل الأمد. فإذا ما تأثرت معنويات القوات الأوكرانية برسالة التخلي الأمريكي المتصورة، فقد ينعكس ذلك سلباً على قدرتها على الاستمرار في المقاومة.
مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الأمريكية، يبدو أن الصفقة تعكس محاولة ترامب لتحسين سجله الاقتصادي وكسب أصوات الناخبين الأمريكيين القلقين على أسعار الطاقة. غير أن هذا الحساب السياسي قد يكون له ثمن باهظ على الصعيد الجيوسياسي، حيث قد تؤدي إلى إعادة تنظيم التحالفات الغربية وتراجع النفوذ الأمريكي في أوروبا الشرقية.