تجاوز خام برنت عتبة المئة دولار للبرميل لأول مرة منذ أواخر يوليو، مع تصعيد الاشتباكات بين القوات الأمريكية والإيرانية في منطقة الخليج. يشير التحليل إلى أن الأسعار قد تواصل الارتفاع طويلاً في ظل استنزاف الاحتياطيات العالمية من النفط وغياب مؤشرات لعودة المفاوضات.
ظل سعر النفط الخام محصوراً لأشهر بتقارير عن تحسن حركة الناقلات في مضيق هرمز. حتى بعد انهيار الهدنة الإيرانية الأمريكية في يونيو، استمرت ناقلات النفط بالعبور بمعدلات أعلى من فترة الربيع. لكن الوضع تغير بحدة هذا الأسبوع، فارتفع خام برنت فوق المئة دولار للبرميل صباح الأربعاء بعدما تصعدت المواجهات بين القوات الأمريكية والإيرانية بشكل كبير.
حذّر المحللون منذ أشهر من أن برنت قد يرتفع إلى أكثر من مئة دولار ويستقر عند هذا المستوى لفترة طويلة. وفي الأربعاء، اخترقت الأسعار هذا الحاجز النفسي المهم للمرة الأولى منذ أواخر يوليو، وسط تصاعد الصراع الذي أثار مخاوف من انقطاع الإمدادات النفطية من المنطقة.
كانت تقارير استعادة تدفقات النفط الخام من الخليج العامل الرئيسي الذي يكبح الأسعار. تشير البيانات الحديثة إلى أن متوسط الإنتاج اليومي في أوائل أغسطس تراوح بين ستة وثمانية ملايين برميل يومياً. وترفع شركات تحليل مثل رايستاد إنرجي هذا الرقم إلى ما بين ثمانية وتسعة ملايين برميل في أواخر أغسطس. إلا أن استئناف الاشتباكات بين القوات الأمريكية والإيرانية خفض الإنتاج إلى ما دون مليوني برميل يومياً. وتراجع المتوسط المتحرك إلى حوالي أربعة أو خمسة ملايين برميل وفقاً لرايستاد، حسبما نقلت رويترز الأسبوع الماضي. وأفادت كيبلر أنه لم تغادر أي ناقلة عملاقة المضيق منذ الثاني من سبتمبر.
وسعت المواجهات في الأسبوع الحالي: أعلن الأمريكيون تدمير خمس ناقلات إيرانية في الخليج، ورداً عليه شنت إيران هجوماً على قاعدة أمريكية بالأردن. قفز سعر برنت فوق المئة دولار الأربعاء، بينما لا يبدو أن أي من الطرفين يرغب في خفض التصعيد.
لكن أسوأ التوقعات لا تزال بعيدة التحقق. السبب أن منتجي الشرق الأوسط استطاعوا إيجاد مسارات بديلة لتصدير خامهم. في معظم الحالات، أنابيب تنقل النفط إلى موانئ خارج المضيق. بالنسبة للإمارات، هناك أنبوب يصل إلى ميناء الفجيرة قرب هرمز مباشرة. والعراق يصدّر عبر أنبوب باتجاه تركيا والساحل المتوسطي. والسعودية عكست تدفقات أنبوب الخط السريع الشرقي الغربي ليحمل النفط إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، القريب من حوثيي اليمن.
دخل الحوثيون الساحة في أوائل السنة وبدآوا استهداف السفن السعودية والبنية التحتية الطاقية. آخر هجوم لهم كان على مصفاة جيزان في أوائل هذا الأسبوع. كما تعرضت مصافٍ أخرى على الجزيرة العربية للقصف من القوات الإيرانية.
رغم اختراق برنت حاجز المئة دولار، فإن السؤال الأساسي يبقى: هل ستبقى الأسعار عند هذا المستوى أم قد تتجاوزه بهامش كبير؟ كلما طالت مدة الحرب، كلما ضعف الكابح على الأسعار. السبب أن العالم يعتمد على احتياطيات النفط المخزنة لامتصاص ضربة الأسعار. وهذه الاحتياطيات ليست لا نهائية.
أفادت وكالة الطاقة الدولية في تقريرها الشهري الأخير أنه حتى يوليو، بقي مغلقاً ما يقارب 8.3 ملايين برميل يومياً من الإنتاج النفطي عبر الشرق الأوسط. ذكرت الوكالة أيضاً أن الاحتياطيات العالمية انخفضت 69 مليون برميل في يوليو، مضافة إلى عمليات سحب سابقة، بمعدل انخفاض يومي يبلغ 2.7 ملايين برميل. سيستمر الانخفاض طالما استمر القتال بالشرق الأوسط، وهذا سيدفع الأسعار أعلى.
يحب المراقبون المتشائمون الإشارة إلى أن النفط وفير حول العالم، سواء المخزن أو المنتج. ولذا أي إشارة لخفض التصعيد، ناهيك عن الهدنة في يونيو، تضغط على الأسعار. لكن على المدى الأطول من بضعة أسابيع، اتجاه مؤشرات النفط الدولية واضح جداً: الأسعار تنخفض، لكن بوتيرة أبطأ وأبطأ. هذا أعطى برنت مكسباً تراكمياً يقترب من أربعين دولاراً منذ سبتمبر 2025. وحقق خام ويست تكساس إنترميديت مكاسب تتجاوز ثلاثين دولاراً للبرميل منذ سبتمبر الماضي، وهذا فقط في سوق العقود الآجلة. أما في السوق الحقيقية فالأسعار أعلى.
بعض درجات النفط الخام تجاوزت المئة دولار بالفعل. مربان أحدها، وأيضاً مؤشر دبي للبترول. سلة أوبك تتداول فوق المئة، والسلة الهندية كذلك. الآن انضم برنت للعقود الآجلة فوق هذا الحد النفسي المهم. هذا ليس إيجابياً للأسعار تالياً، خاصة في غياب أي تقارير عن احتمالية عودة مفاوضات سلام بين طهران وواشنطن. وهذا خبر سيء لأن الطلب على النفط يرتفع عادة في الربع الأخير من السنة. ستحصل تأثيرات سلبية على الطلب بسبب الأسعار المرتفعة، لكن هذه التأثيرات محدودة بسبب الدور الأساسي للنفط ومشتقاته في الاقتصادات. هذا يشير إلى أن الأسعار قد تتسلق أعلى وتستقر هناك.