دولي🌐 Available in English٢١ أيلول ٢٠٢٦

قانون إفراج عن السجناء يشعل نزاعاً طائفياً جديداً في لبنان

قانون إفراج عن السجناء يشعل نزاعاً طائفياً جديداً في لبنان
New York Times
N
New York Times
المصدر الأصلي

تحول مشروع قانون لمساعدة السجناء في لبنان إلى نقطة صراع طائفي حاد، حيث اتهمت الفصائل بعضها البعض بمحاولة استغلاله لتحرير معتقلين سياسيين. يعكس الجدل الانقسامات العميقة التي تعرقل جهود إصلاح النظام القضائي في البلد.

تكشف أزمة قانونية دستورية في لبنان عن الانقسامات الطائفية العميقة التي تسم الحياة السياسية في البلد. ما بدأ كمحاولة إنسانية متواضعة لتحسين أوضاع السجناء تحوّل إلى ساحة صراع حاد بين الفصائل المتنافسة، كل منها يشكك في نوايا الأخرى.

القانون المثير للجدل، الذي يهدف إلى تيسير إفراج السجناء في ظروف معينة، أصبح رهينة الخلافات السياسية والطائفية التي تعمّق الأزمة المؤسساتية في لبنان. يأتي ذلك في وقت يعاني فيه النظام القضائي اللبناني من ضعف مزمن وافتقار إلى الموارد والاستقلالية.

اتهمت الفصائل الشيعية، لا سيما حزب الله والحركات المرتبطة به، بأن الأغلبية البرلمانية الحالية تحاول استخدام القانون كذريعة لتحرير معتقلين سياسيين من خلفيات سنية. من جانبهم، تؤكد الكتل السنية والمسيحية أن النية من وراء هذا القانون ليست سوى محاولة من قبل حزب الله وحلفائه لتحرير عناصرهم من السجون.

أثار المشروع موجة من الاحتجاجات والتصريحات الحادة في البرلمان، حيث اتخذت الجلسات طابعاً استقطابياً شرساً. تناول الساسة القانون لا من منظور إصلاحي أو إنساني، بل كأداة في الصراع السياسي المستمر على السلطة والنفوذ.

قال محللون إن هذا الجدل يجسّد العقبة الأساسية أمام أي محاولة لإصلاح حقيقي في البنية المؤسساتية اللبنانية. فالطائفية السياسية، التي تشكل عماد النظام الدستوري اللبناني منذ استقلال البلد، تلعب دوراً حاسماً في تحويل أي ملف إداري أو قانوني بسيط إلى ساحة صراع.

أشار خبراء قانونيون إلى أن القانون في صيغته الأصلية كان يهدف إلى معالجة المشاكل العملية في السجون اللبنانية، التي تعاني من الاكتظاظ الشديد والأوضاع الإنسانية السيئة. لكن الخلافات حول التفاصيل والآليات التنفيذية سرعان ما انقسمت على أسس طائفية.

وأوضح المراقبون أن الجدل الحالي يشير إلى عمق الثقة بين الفصائل اللبنانية. فالخوف من أن يستفيد الطرف الآخر من أي قانون أو إجراء إداري يمنع حتى المحاولات المعقولة والمحدودة للإصلاح من الإقرار.

قوبل المشروع برفض من قبل عدة أطراف سياسية، التي رأت فيه تهديداً لمصالحها الخاصة. طالبت بعض الكتل بتأجيل النقاش، بينما دعت أخرى إلى تعديلات جوهرية على نصوص القانون.

وتجدر الإشارة إلى أن الأوضاع الإنسانية في السجون اللبنانية تستدعي تدخلاً عاجلاً. فحسب تقارير منظمات حقوق الإنسان، يعاني السجناء من ظروف لا إنسانية، بما في ذلك الاكتظاظ الشديد والافتقار إلى الخدمات الصحية الأساسية.

لكن الانقسامات الطائفية تجعل حتى أبسط الإصلاحات عملية سياسية معقدة. وأشار مراقبون إلى أن هذا النمط يتكرر عبر مختلف الملفات الإدارية والقانونية في لبنان.

قال مسؤول حكومي طلب عدم الكشف عن اسمه إن "القانون المقترح كان يمكن أن يحسّن الأوضاع بشكل كبير، لكن الاعتبارات الطائفية حولته إلى ألغام سياسية". أضاف أن "كل طرف يخاف من أن يحصل الطرف الآخر على أي ميزة، حتى لو كانت إنسانية بحتة".

وفي الوقت ذاته، حذرت منظمات حقوق الإنسان الدولية من أن تأخير إصلاح النظام القضائي اللبناني سيؤدي إلى مزيد من المعاناة الإنسانية. دعت هذه المنظمات إلى فصل الملف الإنساني عن الاعتبارات السياسية والطائفية.

مع ذلك، يبدو أن هذا الفصل يشكل مهمة مستحيلة في السياق اللبناني الحالي. فالنظام السياسي بأكمله مبني على التوازنات الطائفية، وأي تغيير، مهما كان صغيراً، ينظر إليه من خلال عدسة المنافسة على السلطة.

وفي حين أن المشروع لا يزال قيد النقاش البرلماني، يتوقع محللون أنه قد لا يصل إلى مرحلة التصويت النهائي في المستقبل القريب. بدلاً من ذلك، من المتوقع أن يبقى معلقاً في اللجان، رهينة المفاوضات السياسية والطائفية المستمرة.

يعكس هذا الوضع الحالة الأشمل للنظام السياسي اللبناني، الذي يعاني من شلل مزمن في اتخاذ القرارات. حيث تحول البرلمان إلى منصة للصراعات الطائفية بدلاً من أن يكون مجلساً تشريعياً فاعلاً.

قال مراقب سياسي لبناني: "ما يحدث مع هذا القانون ليس استثناء، بل القاعدة. كل قرار، كل قانون، كل إجراء يمر عبر مصفاة الطائفية قبل أن يُناقش على أساس الجدوى أو المنطق".

ومع استمرار الأزمة الاقتصادية الحادة في لبنان، والتي أفقرت الملايين وعمقت الانقسامات الاجتماعية، يبدو أن الطاقة السياسية تُهدر على نقاشات جانبية حول توزيع الامتيازات بين الفصائل.

ولم يُخفِ الدبلوماسيون الأجانب قلقهم من أن الانقسامات الطائفية تمنع لبنان من اتخاذ إجراءات حازمة لمعالجة أزماته الأساسية. اعتبروا أن فشل إقرار قانون بسيط مثل هذا يشير إلى عمق الأزمة المؤسساتية.

في هذا السياق، يُتوقع أن يبقى ملف إصلاح النظام القضائي والسجون في لبنان معطلاً لفترة طويلة قادمة، طالما ظل السياق السياسي هو المسيطر على عملية صنع القرار.

🔗 شارك المقال

الوسوم:#لبنان#صراع طائفي#قانون السجناء#إصلاح قضائي#الفصائل السياسية#الأزمة المؤسساتية
المصدر: New York Times

لفهم السياق

قراءات مرتبطة بنفس الملف أو آخر تطوراته