كيف يُوقف زحف الاستبداد في الفيفا؟ التغيير من الخارج ضرورة
The Guardian US
T
The Guardian US
المصدر الأصلي
تحت قيادة جياني إنفانتينو، تحولت الفيفا إلى منظمة استبدادية تحتذي بأساليب الأنظمة الديكتاتورية، لا سيما بعد محاولته خصخصة كأس العالم بـ 20 مليار دولار. الإصلاح الحقيقي لن يأتي من داخل المنظمة الفاسدة، بل يتطلب إشرافاً مستقلاً من الحكومات والمنظمات الحقوقية.
كانت نهائيات كأس العالم 2026 احتفاءً كروياً مبهراً فتح نقاشات حيوية حول قوة الأقليات المغتربة وتصميم الفرق الضعيفة وقدرة الرياضة على التوحيد. في عالم متشظٍ على محاور ثقافية متعددة، توفرت البطولة لحظة نادرة جمعت أشخاصاً من خلفيات مختلفة حول تجربة مشتركة ذات معنى.
بعد انتهاء البطولة مباشرة، فجّر رئيس الفيفا جياني إنفانتينو قنبلة سياسية في الاحتفالات، محترحاً خصخصة كأس العالم بحقن 20 مليار دولار من رأس مال خاص، مدعوماً بقوة من جي بي مورجان وثرايف كابيتال، الصندوق الاستثماري التابع لجوشوا كوشنر، شقيق زوج دونالد ترامب.
اتضح أن إنفانتينو لم يكن يتودد لترامب طوال الوقت حسب، من تسليمه جائزة السلام المختلقة بيده إلى موافقته على إلغاء البطاقة الحمراء التي هزت العالم، بغية إبقاء صنابير أموال كأس العالم مفتوحة على مصراعيها. بل يبدو أنه كان يدرس أسلوب ترامب في الاستيلاء السريع المشبع بالمحسوبية. فمثلما أوقف إدارة ترامب تمويل مشاريع طاقة في الولايات التي لم تدعمه في انتخابات 2024، كان إنفانتينو يخطط أن تحصل الاتحادات التي تؤيد خصخصته على أموال أكثر بينما تتلقى المعارضة منها حصصاً أقل. وتماماً كما زعزع ترامب والإعلام اليميني مفهوم الحقيقة في الخطاب السياسي الأمريكي، قوّضت الفيفا مبدأ النزاهة عندما ألغت البطاقة الحمراء لاعب أمريكي.
لكن ما يحدث أعمق وأكثر أهمية من ذلك. وسط صعود المد الاستبدادي في أرجاء العالم، بما فيه الولايات المتحدة تحت حكم ترامب، تحولت الفيفا تحت قيادة إنفانتينو إلى منظمة ديكتاتورية متزايدة الاستبداد. رغم أن الفيفا تؤكد التزامها "بالكامل" بمبادئها الديمقراطية وحوكمتها المعلنة بفخر، وأن حلم الرئيس بصناديق الأسهم الخاصة كان "لتحقيق ديمقراطية الكرة القدم عالمياً", الواقع أن الفيفا تحاكي الأنظمة الديكتاتورية التي يخضع إنفانتينو أمامها. كثيرون داخل المنظمة عرفوا بخطة الخصخصة عبر الأخبار بدلاً من التشاور الحقيقي، تماماً كما سمعوا بقرار إنفانتينو منح ترامب جائزة السلام. رغم أن قوانين الفيفا تقصر الرؤساء على ثلاث فترات كحد أقصى، وأن إنفانتينو انتُخب عام 2016 ثم أعيد انتخابه بلا معارض بالإجماع عامي 2019 و2023، صرّح أنه يستطيع الترشح مجدداً عام 2027. اشتهر إنفانتينو بتشويه سمعة الصحفيين وتجنب المؤتمرات الصحفية. الأسئلة الجادة في نظره علامات على صحفيين "ينشرون الكراهية". بالنسبة له، المعلومة يجب أن تتدفق باتجاه واحد، هابطة من القمة.
فما الذي يمكن فعله؟ نعم، حان الوقت منذ زمن لـ "إزاحة رئيس الفيفا"، كما قالت نائبة رئيس اتحاد الكرة الأمريكي. لكن رغم الأخطاء الفادحة لإنفانتينو وانجرافه الاستبدادي، أولئك الذين يملكون سلطة إزاحته جعلوه المرشح الأول في انتخابات السنة القادمة. رغم أن الاتحادات الإقليمية للكرة انتقدت إنفانتينو علناً — الأوروبية واتحاد آسيا واتحاد أمريكا الشمالية والوسطى والكاريبي، حتى أن أوروبا توعدت بمقاطعة المسابقات الدولية — ظهرت شروخ: المكسيك وقطر واتحادات آسيوية عدة انشقت عن الصف لإعلان دعمها للإنفانتينو المتعثر. اتحاد الكرة الأفريقي، الممثل لـ 54 دولة، "أعاد تأكيد دعمه بالإجماع" لإنفانتينو، الذي يحتاج فقط إلى 106 أصوات كي ينجح في إعادة انتخابه في مارس القادم. إزاحة إنفانتينو معركة شاقة.
السبب أن نظام الفيفا الزبائني مخدّر قوي للمعارضة: يوزع الملايين على اتحادات الكرة حول العالم بنظام عميل يقوم على الولاء ويدار مع تجاهل شبه كامل للمساءلة العامة. هذه عبارة عن تكافل كروي غارق في المال خال من المحاسبية.
رغم أن خطة الفيفا للخصخصة كانت قد تضر اللاعبين والمشجعين والأندية على حد سواء، كانت اتحادات كثيرة جاهزة لدعمها. نعم، لصناديق الأسهم الخاصة سجل مشؤوم في الاستحواذ على الممتلكات ذات القيمة الاجتماعية وتفكيكها وترك هياكل فارغة من قيمتها. مثال أول: الإعلام الرياضي. مثال ثانٍ: المستشفيات. تحويل كرة القدم إلى الحالة الثالثة لم يكن سيعرض الرياضة الأشهر عالمياً للتدمير فحسب، بل كان جريمة ضد الفرح الجماعي. ومع ذلك، كان المسؤولون في أنحاء العالم مستعدين لدعم المقامرة. هذا يشهد على قوة نظام الزبائن المبني على عقود من الرؤساء السابقين، من جواو هافيلانج إلى سيب بلاتر إلى جياني إنفانتينو.
المرشحون الرئيسيون لخلافة إنفانتينو يحملون أمتعة ثقيلة محرجة. فيكتور مونتاغليانى ارتقى ليصبح رئيس اتحاد أمريكا الشمالية ونائب رئيس مجلس الفيفا رغم تعامله المثير للجدل مع فضائح وشراكات. احتمال آخر، عضو مجلس الفيفا ناصر الخليفي من قطر، صرّح أنه لا يملك "أي طموح أو نية أو اهتمام" بمنصب الفيفا. الشيخ سلمان بن إبراهيم آل خليفة، رئيس اتحاد الكرة الآسيوي، خسر أمام إنفانتينو عام 2016 وطالما طارده اتهامات بانتهاكات حقوق إنسان في البحرين، وهو ينفيها. ليزا كلافينيس، رئيسة اتحاد النرويج، ستجلب مبادئ وبراعة للرئاسة، ولديها سجل قوي بالوقوف ضد إنفانتينو، لكنها عملياً غير قابلة للانتخاب في منظمة مشبعة بالتمييز الجنسي.
لنكن واضحين: التغيير في الفيفا يجب أن يأتي من خارج المنظمة. ظلت الفيفا تراقب نفسها بنفسها لوقت طويل. بطولة 2026 وما تلاها تثبت بلا شك أن الفيفا تحتاج إشرافاً مستقلاً وتنظيماً حقيقياً من قبل الحكومات والمنظمات غير الحكومية المكرسة لحماية لعبة الشعب كصالح اجتماعي.
نحو هذه الغاية، أطلقت فيرسكوير، منظمة حقوق إنسان لندنية أنا عضو في مجلس استشاريتها، حملة "إعادة تشغيل الفيفا" لإعلان عدم أهلية إنفانتينو للانتخابات في مارس ولتقديم أكبر دعوى جماعية ضده لانتهاكه علناً قوانين الفيفا ذاتها بشأن الحياد السياسي بالتودد المستمر لترامب. ارتداؤه قبعة حمراء بأسلوب ماغا تحمل "45—47" و"أمريكا" في اجتماع مجلس السلام لا يمكن اعتباره "التزام الفيفا بالحياد في المسائل السياسية".