دوليAvailable in English

الحكومة الفرنسية تتوارى خلف رواية «أعمال الشغب»

المعالجة
ترجمة وتحرير Cross Lines
المصدر
Al Jazeera
الحكومة الفرنسية تتوارى خلف رواية «أعمال الشغب»
Al Jazeera
Al Jazeera
Al Jazeera
المصدر الأصلي

تتناول الكاتبة روخايا ديالو ما تصفه بتوظيف الحكومة الفرنسية لأعمال العنف المصاحبة للاحتجاجات، لتبرير التعامل الأمني المفرط والتغطية على إخفاقاتها في معالجة أوضاع التعليم والمعيشة. وترى أن مطالب الطلاب الحقيقية، المرتبطة بالفقر وتدهور المرافق المدرسية، تُقابَل بالقمع والتضليل بدلاً من الاستجابة.

أثارت صور الاضطرابات العنيفة في فرنسا اهتمام العالم أجمع. فواجهات المتاجر المحطمة، والممتلكات المدمّرة، وأعمال النهب، والحرائق المستعرة، أثارت بحق غضباً واستنكاراً واسعين.

ولا يوجد تفسير واحد لدوافع من يقفون وراء هذه الأعمال. فثمة بالتأكيد عناصر إجرامية انتهازية تستغل مثل هذه الأوضاع. لكن هناك أيضاً غضباً شعبياً واسعاً انفجر بعد أن ظل يغلي لسنوات، مع تدهور الأوضاع المعيشية وبقاء المطالب بالتغيير دون إجابة.

وقد استفادت الحكومة الفرنسية استفادة كاملة من هذه الأعمال العنيفة، فاتخذتها ذريعة لتبرير الرد الأمني المفرط على الاحتجاجات، وللتهرب من المساءلة العامة حول إخفاقها في معالجة أخطائها هي. فصور الفوضى تتيح لأصحاب السلطة أن يظهروا في موقع المدافعين عن النظام العام، وهم أنفسهم من أسهموا في زعزعته.

غير أن أعمال العنف هذه لا يمكن أن تنزع الشرعية عن الأسباب التي دفعت آلاف الطلاب في مختلف أنحاء فرنسا إلى النزول إلى الشوارع، ولا ينبغي أن تصرف الانتباه عن عنف الشرطة الوحشي الذي وقع.

أصيب إيدن، البالغ من العمر 14 عاماً، بكسر في فكه وفقدان بعض أسنانه، إثر قنبلة غاز مسيل للدموع أطلقتها الشرطة من منصة إطلاق. وفقد ماييل، البالغ 16 عاماً، بصر إحدى عينيه بعد إصابة يُشتبه في أنها ناجمة عن رصاصة مطاطية أطلقتها الشرطة. أما إيفان، البالغ 15 عاماً، فقد بُترت إحدى يديه إثر انفجار قنبلة صوتية أطلقتها الشرطة.

وحتى 14 أكتوبر، كانت الشرطة قد احتجزت 7950 شخصاً منذ بدء الاحتجاجات في سبتمبر، وكان 85 في المئة منهم قاصرين. وأُضيف إلى هذا العدد 2700 شخص احتُجزوا عقب احتجاجات 17 أكتوبر. وأمس، نفذت الشرطة 1000 عملية توقيف جديدة.

إن هذا الحجم الهائل من الاحتجاز، وتعبئة عشرات الآلاف من عناصر الشرطة، يجعل من هذه الحركة الاحتجاجية واحدة من أشد الحركات الاحتجاجية قمعاً في هذا القرن.

لكن هناك أيضاً عنف أكثر هدوءاً، هو عنف الحرمان الاجتماعي الذي يحتج عليه الطلاب، والذي حظي بتجاهل كبير في الخطاب العام.

في مختلف أنحاء فرنسا، يتعمق الإحساس بالإفقار عاماً بعد عام. فمعدلات الفقر هي الأعلى منذ تسعينيات القرن الماضي، إذ يعيش 9.8 مليون شخص تحت خط الفقر الرسمي. وفي المقابل، يمتلك 53 من أثرياء فرنسا ثروة تعادل ما يملكه نحو نصف السكان، بحسب منظمة أوكسفام.

وقد أصابت الظروف الاجتماعية والاقتصادية المتدهورة النظام التعليمي الفرنسي في الصميم.

ففي بلدة أكوا بجزيرة مايوت، أُغلقت ثانوية «سيتيه دو نور» بالحواجز منذ 31 أغسطس، أي قبل وقت طويل من لفت الاحتجاجات في منطقة باريس الأنظار. فقد خرج الآباء والعاملون في المدرسة للمطالبة بظروف تعليم وتدريس أفضل.

المدرسة مصممة لاستيعاب 900 تلميذ، لكنها تضم 2300 تلميذ في فصول مكتظة وسيئة التهوية. وإلى جانب النقص في الكوادر، تعاني المدرسة من انقطاع المياه وتردي الأوضاع الصحية في دورات المياه.

وفي سيفران، إحدى ضواحي باريس، يشكو التلاميذ والمعلمون في ثانوية «بلايز-سندرار» منذ عام 2024 من تسرب المياه، والعفن، وعدم صلاحية دورات المياه، ونقص الطاولات والكراسي.

أما في ثانوية «مارسلان-بيرتلو» في بانتان، وهي ضاحية باريسية أخرى، فلم تعد النوافذ تُفتح، في وقت قد ترتفع فيه درجات الحرارة خلال موجات الحر إلى 40 درجة مئوية.

وفي ثانوية «بوليتزر» في باغنوليه، وهي ضاحية باريسية كذلك، علم العاملون والتلاميذ وأولياء الأمور في أواخر سبتمبر أن المياه غير صالحة للشرب، رغم أنها كانت قد خضعت للفحص في يونيو.

وهذه ليست سوى أمثلة قليلة على اتجاه عام في مختلف أنحاء البلاد، يتمثل في تدهور سريع للبنية التحتية التعليمية، لا سيما في المناطق الفقيرة.

ويفاقم من ذلك تآكل مستوى التعليم الذي يتلقاه التلاميذ فعلياً. فوفقاً لأرقام وزارة التعليم نفسها، لم تُقدَّم 20.2 مليون ساعة تدريس مقررة في المدارس الثانوية الحكومية خلال العام الدراسي 2024–2025، باستثناء مايوت، أي ما يقارب ساعة من كل عشر ساعات مقررة. ومن بين هذه الساعات، فُقدت 15 مليون ساعة بسبب عدم تعويض المعلمين الغائبين.

ووفقاً للاقتصادي الفرنسي لوكاس شانسيل، فإن الإنفاق الحكومي على كل تلميذ قد انخفض بنسبة 20 في المئة منذ عام 2017، أي منذ وصول إيمانويل ماكرون إلى السلطة.

هذا هو العنف البنيوي الذي يطالب الطلاب أصحاب السلطة بوضع حد له. لكن الحكومة، بدلاً من الاستماع، ردّت بأساليب قمعية وبتلاعب في الرواية.

وفي خطابه إلى الرأي العام، قال ماكرون إنه يتفهم الطلاب، لكنه لم يعرب عن تأييدهم بالطريقة التي أعرب بها عن تأييده لعناصر الشرطة. وقد أسفر لقاء جمعه يوم الجمعة بعشرين طالباً عن وعد بإصلاح منصة القبول الجامعي، دون أن يتناول المطالب الأساسية للطلاب.

وقد ضاعف ماكرون رهانه على الحل الأمني، إذ نشر 70 ألف عنصر من الشرطة، وتعهد بحظر الاحتجاجات. كما اتهم «أقصى اليسار» بالسعي إلى «إسقاط الجمهورية».

من جهته، دعا رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو اليسار إلى «اختيار جانب»: إما أن يكون إلى جانب الجمهورية، التي تُختزل في الشرطة، أو إلى جانب أعمال الشغب و«أجندتها العنيفة». وكأن المشاركة في الاحتجاج تعادل الاعتداء على الدولة.

ولا يثير الاستغراب أن اليمين المتطرف يجد في الفوضى التي تبدو وكأنها تجتاح البلاد فرصة له، فيحجب هذه الاحتياجات بالتركيز على الأصول المفترضة للأشخاص الذين ظهروا في تسجيلات مصورة وهم يرتكبون أعمال العنف. فقد وصف بعض سياسيي اليمين المتطرف «عصابات البلطجية ذوي الأصول الأجنبية» بالعبارات الحادة، ودعا آخرون إلى منح صلاحيات أوسع لسحب الجنسية من الأفراد.

ويخدم هذا الخطاب المعسكر السياسي لماكرون، إذ يتيح له أن يقدم نفسه مرة أخرى بوصفه خط الدفاع الأخير في مواجهة اليمين المتطرف، داعياً عامة الناس إلى الالتفاف حوله بدافع الخوف لا بسبب سجله في الحكم. وهكذا يُعرض على الناخبين خيار قاتم متزايد القتامة، بين من أججوا غضبهم، ومن يسعون إلى تحويل هذا الغضب إلى كراهية عنصرية.

وفي هذه المرحلة، يتضح أن الحكومة لا يبدو أنها معنية فعلاً بالاستجابة لمطالب الطلاب، ولا أن ذلك وارد في حساباتها. فالاستجابة تعني مواجهة أولويات رئاسة ماكرون، وهي حماية ثروات القلة والتخلي عن الكثرة.

وبدلاً من ذلك، ستنتظر الحكومة أن تستنزف الحركة نفسها، أو أن تضعف بفعل الخوف، أو أن تُشوَّه سمعتها بسبب الاضطرابات، حتى تتلاشى من تلقاء نفسها.

غير أن هذه الاستراتيجية فاشلة. فحتى لو خبت هذه الحركة الاحتجاجية، فسرعان ما ستحل محلها حركة أخرى. ولا يمكن للفرنسيين أن يُخوَّفوا إلى الأبد حتى يرضخوا، بينما تستمر أوضاعهم المعيشية في التدهور.

شارك المقال

الوسوم:#فرنسا#الاحتجاجات#الطلاب#ماكرون#الشرطة#التعليم
المصدر: Al Jazeera

لفهم السياق

قراءات مرتبطة بنفس الملف أو آخر تطوراته