تحاصر الفيضانات الكارثية آلاف الأشخاص في نيبال وسط ظروف مناخية قاسية، لكن تحسّن الأحوال الجوية يفتح نافذة أمل ضيقة لعمليات إنقاذ يائسة. فرق الإنقاذ تسابق الزمن لانتشال الناجين من المناطق المعزولة قبل تدهور الطقس من جديد.
في وسط الفوضى التي خلّفتها الفيضانات المدمّرة في نيبال، اندفعت فرق الإنقاذ الأربعاء لاستغلال نافذة زمنية ضيقة أتاحتها موجة طقس أفضل، حاملة معها خيطاً رفيعاً من الأمل لإنقاذ الآلاف من السكان العالقين في المناطق المنعزلة في الجبال.
الفيضانات التي ضربت البلاد في الأسابيع الماضية خلّفت دماراً واسعاً لم تشهده نيبال منذ سنوات، حيث تسبّبت في مقتل المئات وتشريد عشرات آلاف الأشخاص. جاءت الفيضانات نتيجة أمطار موسمية غير عادية ضربت المنحدرات الجبلية، محمّلة بالتربة والحجارة والأشلاء، وقطعت الطرق وأغلقت الجسور.
على مدى أيام، ظلّ الطقس المتقلّب يعرقل محاولات الإنقاذ. فالرياح القوية والأمطار الغزيرة المستمرة منعت الطائرات من الإقلاع، وعطّلت جهود الفرق البرية التي تسير على أقدامها عبر التضاريس الوعرة. لكن، يوم الأربعاء، شهدت نيبال انقطاعاً في الطقس السيّء: السماء صفت قليلاً، والرياح هدأت، والأمطار توقّفت مؤقتاً.
اغتنمت السلطات الفرصة دون تردّد. أطلقت عمليات إنقاذ منسّقة على نطاق واسع، استخدمت فيها مروحيات وزوارق مطاطية وحبال ومعدّات متقدمة. حشدت مئات العناصر من الجيش والشرطة والمتطوّعين لانتشال من استطاعوا الوصول إليهم من الأشخاص المحاصرين.
«هذه فرصتنا الوحيدة»، قالت مسؤولة في السلطات المحلية طلبت عدم الكشف عن هويتها. «إذا لم ننجح الآن، فقد نخسر المئات أو الآلاف. لا يمكننا الانتظار أكثر».
في قريتي جامبيشاي وكاتمانتو، اللتين غُمرتا بالكامل تقريباً، حاولت الفرق البحث عن ناجين تحت الركام. النساء والأطفال كانوا الأولويّة. في أحد الحالات، استخرجت فرقة إنقاذ طفلة عمرها أربع سنوات من تحت الأنقاض بعد أن ظلّت محتجزة لمدة 48 ساعة. الطفلة كانت تتنفس بصعوبة، لكنها كانت على قيد الحياة.
«إنه نوع من المعجزات»، قال الدكتور راج كومار، الذي عالج الطفلة في مستشفى كاتمانتو. «في مثل هذه الحالات، لا نتوقّع عادة أن نعثر على الناجين. الطقس السيّء والجراثيم والجفاف — كل شيء يعمل ضدّنا. لكن هذه الفتاة الصغيرة تمكّنت من البقاء على قيد الحياة».
لم تكن جميع القصص سعيدة. قادت فرق البحث والإنقاذ إلى عشرات الجثث، كثير منها في حالة متحلّلة متقدّمة. عمّال الإنقاذ أخبروا عن شعور بالإحباط والإرهاق النفسي. «نحن نبحث عن أحياء، لكننا نجد موتى»، قال علي حسين، عامل إنقاذ متطوّع.
التحدّي الأساسي يبقى الوصول. الآلاف ما زالوا محاصرين في قرى جبلية لا يمكن الوصول إليها إلا سيراً على الأقدام. المسارات الرئيسية انهارت. جسور كاملة اختفت تحت المياه. الاتصالات قطعت. بعض السكّان لم يسمع أحد عنهم منذ أيام.
«النطاق الجغرافي للكارثة هائل»، قالت ساراه مارتينيز، مديرة برنامج الطوارئ في منظمة اليونيسف في نيبال. «نيبال بلد جبلي شاسع. حتى في أحسن الأحوال، الوصول إلى المناطق النائية صعب جداً. الآن، مع الدمار الذي خلّفته الفيضانات، الأمر بات شبه مستحيل».
منظمات إنسانية دولية حذّرت من أن الأوضاع قد تزداد سوءاً. بدون إمدادات غذائية وماء نظيف، يُتوقّع أن تندلع أمراض معدية. المستشفيات في المناطق المتضررة امتلأت بجرحى وأطفال سوء التغذية. الموارد الطبية شحّة.
قبل أيام قليلة، وعدت حكومة نيبال بتعبئة كل الموارد المتاحة للتعامل مع الأزمة. لكن المراقبون قالوا إن القدرات المحلية محدودة. نيبال دولة فقيرة نسبياً، بنية تحتية ضعيفة. حكومتها استنجدت بالمجتمع الدولي للمساعدة.
استجابت بعض الدول. الهند أرسلت فرق إنقاذ متخصصة وطائرات عسكرية. الصين قدّمت تبرعات. الولايات المتحدة أعلنت عن مساعدات إنسانية طارئة. لكن الخبراء قالوا إن هذا قد لا يكون كافياً.
حتى عندما تحسّن الطقس الأربعاء، كان هناك قلق كبير من أن تحسّناً مؤقتاً لا يعني نهاية الأزمة. التنبؤات الجوية تشير إلى أن جبهة ممطرة أخرى قد تضرب المنطقة في نهاية الأسبوع. إذا حدث ذلك، فقد تأتي فيضانات ثانية.
«هذا هو السيناريو الأسوأ»، قالت راديكا شاه، متخصصة في إدارة الكوارث. «إذا تعرّضت نيبال لموجة فيضانات ثانية، فإن البنية التحتية المتضررة بالفعل قد تنهار تماماً. سيكون الوضع كارثياً».
في الوقت الحالي، تراهن السلطات على أن تستمر نافذة الطقس الجيد لمدة يومين أو ثلاثة على الأقل. وقت كافٍ لإجلاء المئات، ربما الآلاف. وقت كافٍ لإيصال الماء والغذاء إلى المناطق المعزولة. وقت كافٍ للتعافي قليلاً.
لكن الوقت قصير جداً مقارنة بحجم الكارثة. الآلاف ما زالوا بحاجة إلى مساعدة عاجلة. الظروف الصحية تزداد سوءاً بالساعة. والمخاطر الثانوية — الانهيارات الأرضية، انجراف التربة، الأمراض — تتربّص بالناجين.
قالت منظمة العمل الدولية إن نيبال قد تحتاج إلى سنوات لتعافي حقيقي. الخسائر الاقتصادية تُقدّر بمليارات. آلاف المنازل دمّرت. المحاصيل دُمّرت. السُبل التي يعتاش عليها الناس اختفت.
لكن للآن، في لحظة هذه الأزمة الحادة، ما يهم هو الحاضر. كل ساعة، كل دقيقة تُحتسب. الفرق تسابق الزمن. الطقس قد يتغيّر. الأمل معلّق على خيط رفيع. والمعجزات، كما أظهرت قصة الطفلة الصغيرة، ممكنة — لكن نادرة جداً، وتتطلّب سرعة واستعداداً.
في كاتمانتو، ينام عمال الإنقاذ بشكل متقطع، يقفزون من أسرّتهم عند كل جرس هاتف أو صراخ. الخطوط الساخنة ممتلئة بنداءات من أشخاص يطلبون الإنقاذ. العائلات تبحث عن أحبائهم. الأطباء يعملون بدون توقف. والمتطوّعون، الذين خسروا بيوتهم وأحبائهم هم أيضاً، يستمرّون في العمل.
هذا هو وجه الكارثة في نيبال: نافذة أمل ضيقة، كثير من الألم، وقليل من المعجزات.
🔗 شارك المقال
الوسوم:#نيبال#الفيضانات#الكوارث الطبيعية#عمليات الإنقاذ#جنوب آسيا#الطوارئ الإنسانية