لماذا تُجري روسيا الانتخابات وكيف يحصل الكرملين على النتائج المطلوبة
New York Times
N
New York Times
المصدر الأصلي
تحتفظ روسيا بنظام انتخابي شكلي يخدم أغراض النظام السياسي، حيث طوّر الكرملين آليات متطورة لضمان نتائج محسومة مسبقاً. من خلال السيطرة على الإعلام والضغط على الموظفين والتلاعب بالنتائج، تحافظ موسكو على قناع ديمقراطي بينما تحكم قبضة حديدية على السلطة.
في ظاهرها، تبدو الانتخابات الروسية كعملية ديمقراطية شرعية. لكن وراء هذا الستار، طوّر الكرملين نظاماً معقداً من الآليات التي تضمن بقاء السلطة في يد النظام الحاكم، بغض النظر عن رغبات الناخبين الفعلية.
لا تعكس الانتخابات في روسيا منافسة حقيقية حول السلطة. بدلاً من ذلك، تشكل أداة لإضفاء شرعية على نظام استبدادي، وتحويل التفويض الشعبي إلى غطاء قانوني للحكم المركزي. الكرملين يفهم القيمة السياسية للانتخابات كطقس ديمقراطي حتى وهو يضمن نتائجها من البداية.
تبدأ العملية بالسيطرة على الرسالة. تحتكر الدولة الإعلام الرئيسي في روسيا، وخاصة التلفاز الذي لا يزال أكثر مصادر المعلومات موثوقية بالنسبة للملايين. المرشحون الموالون للكرملين يحظون بتغطية إعلامية مكثفة وإيجابية، بينما يواجه المعارضون تجاهلاً منهجياً أو تشويهاً متعمداً. هذا التوازن المنحرف في الإعلام يشكل ساحة لعب غير متكافئة منذ اللحظة الأولى.
لكن السيطرة الإعلامية وحدها ليست كافية. يُضاف إليها نظام إداري معقد يضغط على الموظفين الحكوميين والعاملين في المؤسسات العامة لدعم المرشحين المدعومين من الدولة. المديرون ينقلون هذا الضغط إلى موظفيهم، مما يخلق ثقافة من الامتثال الإجباري تحت ستار الالتزام الوطني.
في يوم الاقتراع، تبدأ مرحلة جديدة من التلاعب. تشير الدراسات والشهادات المستقلة إلى حدوث تزييف منهجي للنتائج على مستويات مختلفة. يتراوح هذا بين إضافة أصوات وهمية، وإعادة عد الأصوات بطرق تحابي المرشحين الموالين، والتلاعب بنسب الإقبال لتبدو أعلى مما هي عليه فعلياً.
النظام الانتخابي نفسه مصمم لتعظيم سلطة الكرملين. فقد تحول نظام الانتخابات من نظام نسبي خالص إلى نظام مختلط يضم نسبة من الدوائر الفردية، مما يسمح بمزيد من التحكم في النتائج. كما تم رفع نسبة الحد الأدنى للفوز، مما يعني أن أصواتاً كثيرة لا تُحسب في النتيجة النهائية.
هناك أيضاً مسألة المرشحين أنفسهم. لا يُسمح للمعارضين الحقيقيين بالترشح عملياً. يتم استبعادهم من خلال متطلبات تقنية صارمة، أو اتهامات جنائية غالباً ما تكون مشكوكاً فيها، أو ببساطة برفض تسجيل مرشحيهم. هذا يترك المجال لما يُعرف بـ "المعارضة النظامية"، وهي أحزاب موالية للنظام بدرجات متفاوتة، تعطي المظهر الخارجي للتعددية دون تشكيل تهديد حقيقي للسلطة.
تاريخياً، كان لانتخابات الرئاسة الروسية تأثير خاص. كانت تلك اللحظات التي يُتوقع أن يُعبّر الشعب فيها عن اختياره. لكن حتى تلك الانتخابات خضعت لنفس الآليات. في دورات متتالية، تلقى الرئيس الحالي نسب أصوات مرتفعة بشكل مريب، غالباً ما تتجاوز 60 بالمئة بهامش كبير.
لماذا إذاً يحافظ النظام على هذا الجهد المعقد من أجل الانتخابات؟ جزء من الإجابة يكمن في شرعية النظام ونظرته لنفسه. يريد الكرملين أن يُعتبر نظاماً قانونياً، وليس حكماً استبدادياً محضاً. الانتخابات، حتى وإن كانت مزيفة، تعطيه جانباً من الشرعية الدستورية والشعبية التي لا يستطيع تجاهلها.
كما أن الانتخابات توفر وسيلة لتقييم المزاج العام دون المخاطرة بفقدان السيطرة. من خلال الانتخابات المتحكم فيها، يستطيع النظام قياس مستويات الرضا والسخط، وتعديل سياساته بناءً على ذلك، دون السماح بأي فرصة فعلية للتغيير السياسي.
هناك عنصر آخر: الانتخابات توفر درجة من التنفيس الاجتماعي. يشعر المواطنون أنهم شاركوا في عملية سياسية، حتى لو كانت تلك المشاركة مسيّرة مسبقاً. هذا الشعور بالمشاركة، مهما كان وهماً، يمكن أن يقلل من احتمالية الاحتجاج السياسي.