تشهد المحكمة الجنائية الدولية موجة انسحابات أفريقية متتالية تتهمها بالانحياز ضد القارة، لكن ثلث الدول الأفريقية يختار البقاء دفاعاً عن العدالة الدولية في وقت تتعرض فيه المحكمة لضغوط سياسية غير مسبوقة.
كان إنشاء المحكمة الجنائية الدولية سنة 2002 يُعتبر نقطة تحول في الجهود العالمية لمكافحة جرائم الحرب والإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية.
لكن الانتقادات من دول أفريقية ظهرت منذ نشأة المحكمة نفسها: اتُهمت المحكمة مراراً بالانحياز ضد القارة الأفريقية بصورة متعمدة. وفي الآونة الأخيرة، تصاعدت هذه الانتقادات لتصل إلى موجة حقيقية من الانسحابات.
أعلنت تشاد في أواخر يوليو انسحابها من المحكمة بمدينة لاهاي، معتبرة أن فعالية المحكمة "محدودة وغير متوازنة".
وفي سبتمبر 2025، أعلنت مالي وبوركينا فاسو والنيجر نيتها الانسحاب من المحكمة، متهمة إياها بأنها أداة استعمارية جديدة تابعة للغرب. ويبدأ مفعول هذه الانسحابات رسمياً بعد سنة واحدة من إعلانها.
في الوقت ذاته، تعاني المحكمة من فضيحة كبيرة: أصوت أعضاؤها لعزل المدعي العام السابق كريم خان بسبب اتهامات تتعلق بسوء سلوك جنسي، وهو ينكر الاتهامات.
**العدالة: الانسحاب أم المساءلة؟**
يعتبر أتيلا كيسلا، رئيس فريق العدالة الدولية في مركز جنوب أفريقيا لقانون التقاضي في جوهانسبرغ، أن موجة الانسحابات تثير قلقاً بالغاً، خاصة أن بعض هذه الدول تعتمد على ادعاءات بانحياز المحكمة ضد أفريقيا.
لكنه يشير إلى أنه "من المهم تذكر أن الكثير من الإجراءات، خاصة في مراحلها الأولى، كانت قائمة على إحالات طوعية من دول أفريقية طلبت مساعدة المحكمة".
صارت السنغال سنة 1998 أول دولة توقع على نظام روما الأساسي، المعاهدة الدولية التي أسست المحكمة الجنائية الدولية سنة 2002. وحالياً، 125 دولة طرف في هذا النظام، منها 33 دولة أفريقية تمثل نحو 60% من دول القارة.
تسعى المحكمة الجنائية الدولية للمحاكمة في أخطر الجرائم بموجب القانون الدولي، وتعمل وفقاً لمبدأ "التكامل": لا يمكنها التحرك إلا حين تكون الدول غير قادرة أو غير راغبة في ملاحقة جرائم معينة بنفسها.
غير أن كيسلا يؤكد أن غياب إجراءات قضائية جدية ضد أفراد من دول قوية أو غربية لم يساعد صورة المحكمة.
الولايات المتحدة ذاتها ليست عضواً في المحكمة، لكن مواطنيها يمكن أن يتعرضوا للمحاكمة إن اتُهموا بارتكاب جرائم في أراضي دول أعضاء.
علاوة على ذلك، لا يجب تجاهل المناخ السياسي العالمي الراهن: "تحدث هذه الانسحابات في وقت أعلنت فيه الولايات المتحدة بصراحة نيتها حل المحكمة، وتمارس ضغوطاً غير مسبوقة على المحكمة ومؤيديها"، بحسب كيسلا.
أصدرت المحكمة أيضاً أوامر اعتقال بحق فلاديمير بوتين وبنيامين نتنياهو، رغم أن روسيا وإسرائيل ليستا دولتين طرفاً في المحكمة.
في هذه الأجواء السياسية المشحونة، يكتسب بقاء عدد كبير من الدول الأفريقية أطرافاً في نظام روما أهمية حاسمة: "استمرار عضويتها يعكس قراراً واعياً بالدفاع عن العدالة الدولية في وقت تتعرض فيه المحكمة لهجوم سياسي", كما يقول كيسلا.
وعلى الجانب الآخر، فإن الاستمرار في المحكمة يرسل أيضاً رسالة مهمة، بحسب كيسلا: "المساءلة عن الفظائع لا يجب أن تكون مرهونة بالسياسة والقوة. هذا يعكس التزاماً بسيادة القانون ويضمن استمرار حصول الضحايا والناجين على العدالة حين تفشل الأنظمة المحلية".
**ضحايا جرائم الحرب يفقدون الحماية**
ترى منظمة العفو الدولية أن انسحاب دول الساحل الأربع يمثل نكسة حقيقية في حق الشعوب المتضررة في الوصول للعدالة.
تقول أليس بانينس، خبيرة قانونية في مكتب المنظمة الإقليمي لغرب ووسط أفريقيا بداكار: "ضحايا جرائم الحرب والإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية يفقدون ملاذهم الأخير حينما لا يجدون عدالة في بلدانهم".
ترى بانينس أيضاً أن هذه الانسحابات تشكل "اعتداءات على سلامة النظام الدولي والمحكمة الجنائية الدولية". وتندرج هذه الخطوات في سياق أوسع تواجه فيه المحكمة هجمات وعقوبات من عدة دول تستهدف إضعاف قدرتها على تنفيذ مهامها.
طالبت العفو الدولية الدول التي انسحبت حتى الآن — كانت بوروندي أول دولة أفريقية تنسحب سنة 2016 — بتوجيه أي انتقادات عبر النقاش داخل الجمعية العامة لأطراف نظام روما.
يمكن للدول السابقة العودة إلى عضويتها: قررت جنوب أفريقيا رسمياً الانسحاب سنة 2016 لكنها أوقفت العملية في مارس 2017. كان السبب زيارة رسمية لرئيس السودان الأسبق عمر البشير، الذي أصدرت المحكمة أمر اعتقال بحقه بتهم جرائم حرب في دارفور. رفضت الحكومة الجنوب أفريقية اعتقاله.
**المزيد من المحاكمات خارج أفريقيا**
تؤكد بانينس أن هناك إدراكاً منتشراً بأن جدول أعمال المحكمة يركز على القضايا الأفريقية. "هذا ليس صحيحاً ببساطة"، تقول. "بينما كان الحال كذلك في السنوات الأولى لعمل المحكمة — حينما كانت معظم التحقيقات، إن لم تكن جميعها، تتعلق بالأوضاع الأفريقية".
إلا أنه اليوم، يوجد عدد من التحقيقات النشطة خارج القارة أكثر من داخلها — مثلاً في أفغانستان والأراضي الفلسطينية وفنزويلا والفلبين وأوكرانيا.
بعض الدول التي تفكر في الانسحاب تحتج بأن المحكمة تتدخل في العمليات القضائية المحلية والمصالحة الوطنية، بحسب كريستوفر إيزيك، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة بريتوريا.
يقول إيزيك: "دول أفريقية وقوى كبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين — التي ليست أعضاء ولا تعترف باختصاص المحكمة — احتجت أيضاً بهذا السبب".
برغم ذلك، يؤكد إيزيك أن المحكمة توفر آلية خارجية للمساءلة حينما تدرك الدول أن أنظمتها القضائية المحلية تفتقر إلى الاستقلالية أو الإرادة السياسية لملاحقة المسؤولين السياسيين أو العسكريين.
يشير إيزيك إلى أن دول مثل أوغندا والكونغو الديموقراطية وحتى مالي نفسها طلبت في الماضي تدخل المحكمة لأنها تفتقر إلى القدرة على ملاحقة الجناة. وهذا يضعف الحجة بأن تدخل المحكمة يشكل تدخلاً خارجياً. "هذا الإدراك بأن العدالة انتقائية هو السبب الرئيسي لهذا الاتجاه".
هناك أيضاً حكومات ترى في بقاء عضويتها بالمحكمة إعلاناً عن التزامها بحقوق الإنسان والحكم الديموقراطي والقانون الدولي، بحسب إيزيك: "تعتقد أن هذا يعطيها مصداقية دبلوماسية كشكل من أشكال القوة الناعمة".
بالنسبة إلى إيزيك، فإن النقاش حول عدم المساواة في العدالة يمس أمراً جوهرياً: التنافس على النظام الدولي. الحكومات الأفريقية لا ترفض العدالة الدولية بالمبدأ. "تريد نظاماً أكثر عالمية وتوحداً وأقل عرضة لاتهامات بالانتقائية السياسية".