كسر حاجز درجة ونصف مئوية: العالم يواجه واقعاً مناخياً جديداً
New York Times
N
New York Times
المصدر الأصلي
يقترب العالم بسرعة من تجاوز الحد الأقصى المتفق عليه دولياً لارتفاع درجات الحرارة، ما يفتح نقاشاً محموماً حول السيناريوهات المتاحة أمام دول العالم. بينما تتفاقم الكارثة المناخية، ينقسم الخبراء حول ما إذا كان يمكن إبطاء الانحدار أم أن الوقت لاستباق الأسوأ قد فات.
مع اقتراب نهاية الربع الثالث من العقد الحالي، بات واضحاً أن الهدف العالمي الطموح المتعلق بتحديد الاحترار العالمي عند درجة ونصف مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية سيصبح حلماً بعيد المنال. والدليل على ذلك متزايد ولا يقبل الجدل.
حسب أحدث البيانات الصادرة عن الهيئات العلمية الدولية، تسير الأرض حالياً نحو ارتفاع درجة حرارة تتراوح بين درجة وثماني أعشار المئة وثلاث درجات مئوية بحلول نهاية القرن، وذلك في حالة استمرار الانبعاثات الغازية بالمعدلات الحالية. هذا السيناريو يعني أن العالم سيكسر حاجز درجة ونصف مئوية في غضون سنوات قليلة فحسب.
هذا التطور يمثل منعطفاً حاسماً في تاريخ الجهود المناخية العالمية. منذ توقيع اتفاق باريس عام 2015، سعت الدول إلى الالتزام بهدف واحد واضح: الحفاظ على الارتفاع في درجات الحرارة دون درجة ونصف مئوية. كان هذا الرقم يمثل الخط الفاصل بين "حد آمن نسبياً" و"كارثة حتمية" حسب توصيفات الخبراء.
لكن الواقع الذي نشهده الآن يشير إلى أن هذا الخط لم يعد قابلاً للدفاع عنه. والمسؤول الأول عن ذلك هو عدم الوفاء بالالتزامات المناخية. فبينما تعهدت الدول الكبرى بتقليل انبعاثاتها، استمرت الانبعاثات في الارتفاع، لا سيما في قطاعات الطاقة والنقل والزراعة.
أمام هذا الواقع المرير، بدأت المؤسسات الدولية والحكومات تعيد النظر في استراتيجياتها. وينقسم الخبراء على محورين رئيسيين: المحور الأول يصر على أن الوقت لم يفت بعد للتحرك، وأنه يجب مضاعفة الجهود للتخفيف من الانبعاثات والتحول السريع نحو الطاقة النظيفة. المحور الثاني، وهو ينمو بسرعة، يجادل بأن الحقبة المناخية الجديدة بدأت بالفعل، وأن البشرية بحاجة الآن إلى التركيز على التكيف مع تبعات هذا التغير وليس محاولة إيقافه.
في الدول الجزرية والدول الساحلية المنخفضة، هذا النقاش يحمل طابعاً مختلفاً تماماً. فرفع منسوب البحار، وتكرار الأعاصير الكارثية، والجفاف الشديد، والفيضانات ليست مجرد احتمالات نظرية بالنسبة لهم. إنها حقيقة يعيشونها الآن. دول مثل توفالو وجزر المالديف وبنغلاديش تواجه تهديداً مباشراً لوجودها كدول.
الاقتصاديات الناشئة والدول الفقيرة تعاني من معضلة مؤلمة: الكثير من هذه الدول ساهمت بشكل ضئيل جداً في تراكم انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، لكنها تتحمل الآن وطأة العواقب الأشد. ارتفاع الأسعار، نقص الغذاء، الهجرة القسرية، والصراعات على الموارد الطبيعية أصبحت واقعاً معاشاً بدلاً من تحذيرات نظرية.
من ناحية السياسة الدولية، فإن فشل المجتمع الدولي في مكافحة التغير المناخي بفعالية عكس انقسامات عميقة بين الدول الغنية والفقيرة. الدول الصناعية المتقدمة، التي اعتمدت على الوقود الأحفوري لبناء ثروتها عبر قرنين من الزمان، تقاوم التحول السريع الذي قد يهدد مصالحها الاقتصادية. في الوقت ذاته، تصر الدول النامية على حقها في النمو الاقتصادي، حتى لو اقتضى ذلك الاستمرار في استخدام الوقود الأحفوري.
تمويل التكيف المناخي أضحى قضية خلافية. تعهدت الدول الغنية بتوفير مئات مليارات الدولارات سنوياً للدول النامية لمساعدتها على التكيف مع تبعات التغير المناخي، لكن هذه التعهدات ظلت بعيدة كل البعد عن التنفيذ الفعلي. النسبة المئوية من المال الموعود الذي وصل بالفعل لا تتجاوز جزءاً بسيطاً مما تحتاجه الدول الفقيرة.
في المؤتمرات المناخية الدولية الأخيرة، برزت نقاشات حول ما يسمى بـ "الخسائر والأضرار" — المصطلح الذي يشير إلى الأضرار التي لا يمكن تلافيها حتى مع أفضل جهود التكيف. هذا الاعتراف بالفشل الضمني يعكس تحولاً في الذهنية. بدلاً من الحديث عن "منع الكارثة"، أصبح الحديث الآن عن "إدارة الكارثة" و"البقاء على قيد الحياة".
العلماء يحذرون من تسلسل زمني سريع لتفعيل الآثار المناخية الخطيرة. ارتفاع درجة ونصف مئوية سيؤدي إلى ذوبان الجليد القطبي بسرعة أكبر، وارتفاع منسوب البحار، وتفاقم الأحداث المناخية الشديدة. كل عُشر درجة مئوية إضافية سيعمق الأزمة ويقرّب نقاط اللاعودة المناخية.
في هذا السياق، برزت استراتيجيات جديدة لا تركز فقط على تقليل الانبعاثات بل أيضاً على الاستخلاص النشط لثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي. تقنيات مثل التقاط الكربون وتخزينه ولا تزال في مراحل تطويرية، لكن بعض الحكومات وشركات الطاقة الكبرى تستثمر فيها بشكل متزايد. لكن المتخصصين يشككون في قدرة هذه التقنيات على إحداث فرق جوهري في الوقت المتاح.
إعادة تحريج المناطق وحماية الأراضي الرطبة والمحيطات أصبحت أيضاً محاور اهتمام متزايدة. هذه النهج تقليل الانبعاثات من ناحية بحفظ الكربون في التربة والنباتات، وتوفير حماية طبيعية ضد الفيضانات والعواصف من ناحية أخرى.
غير أن هذه الحلول جميعاً تبقى غير كافية إذا لم تُقترن بتخفيضات حادة وفورية في الانبعاثات. والمشكلة أن النوايا السياسية لتحقيق مثل هذه التخفيضات غير موجودة بالقوة المطلوبة.
في الدول الأفريقية، في آسيا الجنوبية، وفي أميركا اللاتينية، تجد الحكومات نفسها أمام مفترق طرق مأساوي: هل تستثمر في التنمية الاقتصادية بالطرق التقليدية لرفع مستوى معيشة شعوبها، أم أن تضحي بهذه الآفاق من أجل اللعب بأوراق مناخية قد لا تؤتي ثمارها حتى لو فازت بها؟
التعليم والتوعية أصبحت أيضاً محوراً مركزياً. الأجيال الجديدة تطالب بمحاسبة أكبر للقادة السياسيين والشركات الكبرى. حركات الشباب المناخي في جميع أنحاء العالم تتحول من مجرد احتجاج إلى محاولة فرض تغيير سياسي فعلي، لكن قوتهم السياسية تبقى محدودة في مواجهة نفوذ صناعة الوقود الأحفوري.
القطاع الخاص، من جهته، يتحرك بسرعات متفاوتة. بينما تتعهد بعض الشركات الكبرى بتحقيق حياد الكربون بحلول سنة معينة، غالباً ما تكون هذه التعهدات خطط طموحة غير قابلة للتحقيق عملياً أو تتضمن ثغرات تسمح بالمرونة المفرطة.
في النهاية، الصورة التي تبرز من كل هذا معقدة ومحبطة. العالم أفشل في تحقيق الهدف الأول للحفاظ على ارتفاع درجات الحرارة دون درجة ونصف مئوية. والآن، بدلاً من الخروج بخطة بديلة شاملة وقابلة للتنفيذ، ينقسم المجتمع الدولي بين من يصر على استمرار "محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه" ومن بدأ بالاستعداد نفسياً واستراتيجياً للعيش في عالم متغير مناخياً بشكل جذري.
الدرس الحقيقي من هذا الفشل هو أن التحديات العالمية الكبرى تتطلب إرادة سياسية وتضحيات اقتصادية لا تملكها البشرية كمجموعة حتى الآن. وبينما ننتظر التغيير، المناخ لا ينتظر، والدول الضعيفة تدفع الثمن الأكبر.