دولي🌐 Available in English٢٦ آب ٢٠٢٦

الكنوز اللبنانية القديمة تفرّ من نيران الصراع المعاصر

الكنوز اللبنانية القديمة تفرّ من نيران الصراع المعاصر
New York Times
N
New York Times
المصدر الأصلي

في خضم الأزمات الأمنية والسياسية التي تجتاح لبنان، تُنقَل القطع الأثرية النفيسة والتحف التاريخية إلى بر الأمان بعيداً عن مناطق التوتر. تُمثل هذه العملية محاولة حثيثة للحفاظ على الإرث الحضاري اللبناني من التدمير والنهب وسط ظروف أمنية حرجة.

في ظل الأوضاع الأمنية المتدهورة التي تشهدها لبنان، تسابق السلطات والمؤسسات الثقافية الزمن للحفاظ على ثروة البلاد الحضارية العريقة. عملية إنقاذ منظمة استهدفت نقل آلاف القطع الأثرية من متاحف ومستودعات في بيروت والمناطق المضطربة إلى مواقع آمنة داخل لبنان وخارجه.

تشمل هذه الكنوز تماثيل فينيقية نادرة وعملات ذهبية قديمة وأواني فخارية تعود إلى آلاف السنين، وهي تجسد عمق الحضارات التي ازدهرت على أراضي لبنان عبر العصور. يعكس هذا الجهد المحموم الخوف الحقيقي من أن تتكرر سيناريوهات النهب والتدمير التي شهدتها بلدان أخرى في المنطقة.

حسب مسؤولين في المديرية العامة للآثار اللبنانية، بدأت عملية النقل قبل أسابيع استجابة لتصعيد التوترات الأمنية. تولّت فرق متخصصة من الخبراء والعاملين بالقطاع الثقافي مهمة تصنيف القطع الأثرية وتجهيزها للنقل بأقصى درجات الحذر لضمان سلامتها.

قال مسؤول أثري طلب عدم الكشف عن هويته: "نحن ندرك أن هذه القطع تمثل ذاكرة شعب بأكمله وإرثه الإنساني العام. لا يمكننا السماح بضياعها أو تدميرها بسبب ظروف سياسية مؤقتة". أشار إلى أن بعض التحف الفريدة لا يمكن استبدالها أو إعادة تصنيعها.

بات نقل الآثار من مناطق الصراع ممارسة متكررة في الشرق الأوسط. فقد شهدنا في السنوات الماضية جهوداً مماثلة في سوريا والعراق ودول أخرى لإنقاذ التراث الثقافي من براثن التطرف والحروب الأهلية. لكن الخبراء يؤكدون أن كل حالة تختلف عن الأخرى من حيث الظروف والإمكانيات المتاحة.

تعاونت السلطات اللبنانية مع منظمات دولية متخصصة في حماية التراث الثقافي. قدمت اليونسكو والمنظمات غير الحكومية الدعم الفني واللوجستي للعملية. تم إرسال عدد من القطع إلى متاحف إقليمية موثوقة لحفظها بظروف آمنة ومراقبة دقيقة.

يتحدث الآثاريون عن الأهمية التاريخية لهذه المجموعات. تروي القطع اللبنانية قصة تقاطع الحضارات: الفينيقية والرومانية والإسلامية وغيرها. تعكس كل قطعة جزءاً من نسيج الهوية الثقافية للبنان عبر آلاف السنين.

لم تخل العملية من التحديات. أعاقت الأوضاع الأمنية المتوترة حركة الفرق المتخصصة في بعض الأحيان. شكلت نقاط التفتيش والحواجز عقبات في طريق نقل بعض التحف الضخمة. قال أحد المشاركين في العملية: "كان علينا أحياناً الانتظار لأيام حتى نتمكن من المرور بسلام بقطعة أثرية واحدة".

تثير هذه الجهود أسئلة أوسع حول مسؤولية المجتمع الدولي تجاه التراث الإنساني المشترك. يرى بعض الخبراء أن على الدول المتقدمة توفير دعم مالي وتقني أكبر لحماية الآثار في مناطق النزاع. يشيرون إلى أن فقدان هذه الثروات لا يضر فقط الدول التي تمتلكها، بل يُفقّر الإرث الحضاري لكل البشرية.

في الوقت ذاته، يحرص المسؤولون اللبنانيون على التأكيد أن هذه النقل مؤقت. تؤكد الحكومة اللبنانية التزامها بإعادة كل القطع إلى موطنها الأصلي ومتاحفها بمجرد استقرار الأوضاع الأمنية. قالت وزارة الثقافة في بيان رسمي: "نعمل لضمان عودة آثارنا إلى لبنان ليستمتع بها أجيالنا القادمة".

تستحضر هذه الأزمة ذكريات مؤلمة من الحروب الأهلية السابقة عندما تعرضت المتاحف اللبنانية للنهب والتدمير. عانى المتحف الوطني اللبناني بشكل خاص من أضرار جسيمة خلال سنوات الحرب الأهلية، فقدت كنوزه أجزاء كبيرة من مجموعاتها.

لم يكن لدى صناع القرار في بيروت خيار سوى التحرك السريع. أظهرت التطورات الأخيرة أن استقرار الوضع الأمني ليس مضموناً، ما يجعل القطع الأثرية عرضة للخطر. رأت القيادات الثقافية أن الوقت لا ينتظر، وأن التأخير قد يؤدي إلى كارثة لا يمكن إصلاحها.

تبقى هذه الجهود شاهداً على إرادة شعب للحفاظ على هويته وتاريخه رغم الأمواج العاتية التي تضرب سفينته. في كل قطعة أثرية تُنقل إلى بر الأمان، رسالة قوية مفادها أن الثقافة والتراث أقوى من الحروب والنزاعات، وأن الحفاظ عليهما واجب إنساني لا يسقط مهما اشتدت الأزمات.

🔗 شارك المقال

الوسوم:#لبنان#الآثار#التراث الثقافي#الحفاظ على الآثار#الأزمة الأمنية#الحضارة الفينيقية
المصدر: New York Times

لفهم السياق

قراءات مرتبطة بنفس الملف أو آخر تطوراته