دولي🌐 Available in English١١ أيلول ٢٠٢٦

المجر تتخذ موقفاً حازماً ضد موسكو بعد سنوات من الموالاة

المجر تتخذ موقفاً حازماً ضد موسكو بعد سنوات من الموالاة
DW World
D
DW World
المصدر الأصلي

بعد توليّ رئيس الوزراء الجديد بيتر ماجيار الحكم في مايو، شرعت المجر في الابتعاد الحاد عن سياسة سلفه أوربان المؤيدة لروسيا، معلنةً أن موسكو تشكل تهديداً لأمنها القومي. وأبعدت الحكومة المجرية 10 دبلوماسيين روسيين بتهمة القيام بأنشطة غير مقبولة، في أقسى خطوة دبلوماسية ضد الكرملين منذ سقوط الشيوعية عام 1989.

طالما اعتُبرت المجر تحت حكم فيكتور أوربان أكثر دول الاتحاد الأوروبي ميلاً نحو روسيا. بل أن حرص رئيس الوزراء الواضح على خدمة الرئيس الروسي كسبه لقب «كلب بوتين» أو «وكيل الكرملين». لسنوات عديدة، اعتُتبرت المجر مصدر قلق أمني للاتحاد الأوروبي وحلف الناتو على حد سواء، حيث تمكنت الأجهزة الاستخباراتية الروسية من العمل داخل البلاد دون عوائق تذكر.

في فبراير الماضي، كشف التحقيق أن بيتر سيجيارتو، وزير الخارجية في عهد أوربان من 2014 إلى 2026، كان يمرر معلومات سرية من اجتماعات الاتحاد الأوروبي إلى نظيره الروسي سيرغي لافروف. لكن هذه الفترة انتهت تماماً في مايو، عندما تولى رئيس الوزراء الجديد بيتر ماجيار مقاليد الحكومة.

في خطوة واضحة بعيدة عن السياسة التي اتبعتها حكومة أوربان، وجّه رئيس الوزراء الجديد انتقادات حادة لحرب روسيا العدوانية ضد أوكرانيا عدة مرات. أعلنت الحكومة أيضاً مؤخراً أن روسيا تشكل تهديداً لأمن المجر القومي. في هذا الأسبوع، اتخذت خطوتها الأكبر ضد الكرملين، بإبعاد 10 دبلوماسيين روسيين، بحسب ما أعلنت وزيرة الخارجية المجرية أنيتا أوربان (لا علاقة لها بالرئيس السابق) عن ارتكابهم أنشطة «غير مقبولة للدبلوماسيين بموجب اتفاقية فيينا». رغم أن أوربان لم تقدم تفاصيل إضافية، فإن هذه الصيغة مفهومة عموماً بمعنى أن الدبلوماسيين المعنيين كانوا جواسيس.

صرّحت أوربان بأن القرار «يحمي أمن المجر وسيادتها». وأضافت: «هذا لا يعني قطع العلاقات الدبلوماسية مع روسيا. تنوي المجر الاستمرار في الحوار الضروري، على أساس الاحترام المتبادل والالتزام بالقواعد».

أثار الإعلان الموجز من الوزيرة عدداً ضخماً من الأخبار والتعليقات، وهو أمر منطقي نظراً إلى أن هذا لم يكن فقط دليلاً على انقلاب بنسبة 180 درجة في سياسة الحكومة تجاه روسيا، بل كان أيضاً أشدّ العقوبات الدبلوماسية استهدافاً لموسكو منذ انهيار الشيوعية عام 1989-1990. قال بيتر تاريياني، خبير الخدمات الأمنية، لموقع إندكس الإخباري المجري إن هذا ليس «نزاعاً دبلوماسياً، بل مسألة جدية تتعلق بالأجهزة الاستخباراتية»، مضيفاً أنه بهذا القرار تعود المجر في الوقت نفسه «إلى المسار الرئيسي لسياسة حلفائها الأمنية».

أفاد السياسي وخبير روسيا البارز أندراس راتس وكالة الأنباء الوطنية المجرية أن المجر كانت الدول الوحيدة في الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو التي لم تتخذ مثل هذا الإجراء في السنوات الأخيرة. وقال راتس إن مثل هذه الخطوة «كان يجب أن تتخذ منذ أربع سنوات ونصف». وأضاف: «المجر تسدد الآن ديونها القديمة لحلفائها».

تحت حكم فيكتور أوربان، كانت المجر الدولة الوحيدة في الاتحاد الأوروبي التي لم تدين حرب روسيا الشاملة ضد أوكرانيا دون تحفظ. بل إنه خلال السنتين الأخيرتين من فترة حكمه، اتهم أوربان أوكرانيا والغرب بمسؤولية العدوان الروسي. لكن قبل ذلك بزمن طويل، حتى بعد توليه السلطة عام 2010، اتخذ أوربان موقفاً موالياً لروسيا بشكل ملحوظ، برّره بين أمور أخرى بزعم أن المجر تعتمد على الطاقة الروسية أكثر من أي دولة أخرى في المنطقة. لكن ادعاء حكومته المتكرر بأن الغاز الروسي أرخص ثمناً دُحض منذ زمن. علاوة على ذلك، فإن توسيع محطة باكس النووية برعاية روسية سيكلف المجر ثمناً باهظاً لعقود قادمة. في ضوء كل هذا، تبقى العلاقات الوثيقة بين أوربان وروسيا لغزاً.

أدى هذا القرب من روسيا في كثير من الأحيان إلى مواقف سخيفة عرّضت الأمن القومي المجري للخطر. في الوقت نفسه، كان أوربان يكرر تأكيده لنقاده بأنهم هم من يشكلون تهديداً لسيادة المجر. على سبيل المثال، شارك عملاء الأجهزة الاستخباراتية الروسية لسنوات في تمارين عسكرية الأسلوب في أوساط اليمين المتطرف حتى عام 2016. اعتباراً من 2012، سرق عملاء الأجهزة الاستخباراتية الروسية كميات ضخمة من البيانات من وزارة الخارجية المجرية والجهات الحكومية الأخرى دون أن تدين الحكومة هذا الأمر علنياً قط. عام 2019، حصلت روسيا على إذن بنقل مقر البنك الدولي للاستثمار إلى بودابست. كان البنك معروفاً باسم «بنك الجواسيس» لأن قيادته تتكون من أفراد مرتبطين بجهاز الأمن الفيدرالي الروسي (FSB) أو مرتبطين به. لم يغادر البنك المجر إلا بعد فرض الولايات المتحدة عقوبات عليه عام 2023. حذّر الصحافي الاستقصائي سابولتش باني عدة مرات في السنوات الأخيرة من أن المجر أصبحت «مركزاً لوجستياً ومنطقة نشر للأجهزة الاستخباراتية الروسية»، مما عرّض المنطقة برمتها للخطر.

قابل عدد كبير من المجريين منحى أوربان الصارم المؤيد لروسيا برفض شديد. لعبت التوجهات المؤيدة بشدة للاتحاد الأوروبي لدى بيتر ماجيار وحزبه تيسزا دوراً كبيراً في نصر الحزب الانتخابي في وقت سابق من العام الجاري. كثيراً ما شوهدت أعلام الاتحاد الأوروبي وسُمعت صرخات عفوية بـ «يا روس، اذهبوا للبيت» في تجمعات الحملات الانتخابية الربيعية الماضية. على عكس فيكتور أوربان، يعتقد ماجيار والسياسيون البارزون في حزب تيسزا أن مكان المجر حصراً داخل الاتحاد الأوروبي، وأن الدولة يجب أن تحافظ فقط على علاقات عملية منخفضة المستوى مع روسيا. غير أن كثيرين من المراقبين والخبراء مفاجأون بمدى الراديكالية التي انحرفت بها حكومة ماجيار عن روسيا.

كتب أندراس تيلكيس، نائب رئيس جهاز الاستخبارات الأجنبية المجري السابق، في جريدة نيبسزافا أن إبعاد الدبلوماسيين يدل على أن وجود الأجهزة الاستخباراتية الروسية في المجر يمتد بوضوح «إلى أعماق كبيرة» وأن الدولة تواجه مشكلة خطيرة. وقال تيلكيس إن إبعاد 10 دبلوماسيين سيساعد على استعادة الثقة في المجر من جانب أجهزة الاستخبارات في حلفاء الناتو. أضاف أن القرار ذو أهمية كبيرة. قال تيلكيس: «إبعاد شخصين أو ثلاثة كان سيكون إشارة». وتابع: «إبعاد 10 أشخاص يعني بالفعل حرباً». وذكر أن الإبعادات تخلق مشكلة أمنية خطيرة للمجر.

أدانت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية إبعاد الدبلوماسيين بعبارات قاسية. تحدثت عن «لوبي روسوفوبي في بودابست» وأعلنت عن رد «حاد ومؤلم». قال عضو مجلس الدوما الروسي أندريه كوليسنيك، عضو لجنة الدفاع في البرلمان الروسي، إن الحكومة ستدرس وقف توريد الغاز للمجر. تعرف وزيرة الخارجية أوربان أكثر من أي شخص آخر في الحكومة المجرية الجديدة عن مثل هذه التهديدات الروسية: عام 2007، كتبت أطروحة الدكتوراه عن سياسة روسيا الطاقوية في وسط أوروبا. وسنة بعدها نشرت كتاباً بعنوان: «القوة والطاقة والإمبراطورية الروسية الجديدة».

🔗 شارك المقال

الوسوم:#المجر#روسيا#أوروبا#العلاقات الدولية#الناتو#الاستخبارات
المصدر: DW World

لفهم السياق

قراءات مرتبطة بنفس الملف أو آخر تطوراته