بعد سنوات من محاولة استقرار العلاقات مع بكين، يتخذ رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي موقفاً أكثر صرامة تجاه الصين، مراهناً على الالتزام الكامل بالتحالف الأمريكي. يعكس هذا التحول تصاعداً في التوترات الإقليمية وسعي أستراليا لتعزيز نفوذها في منطقة المحيط الهادئ.
منذ توليها السلطة عام 2022، روّجت حكومة حزب العمال الأسترالي برئاسة أنتوني ألبانيزي لفكرة العلاقة "المستقرة" مع الصين تحت قيادة الرئيس شي جينبينج. كانت نتائج هذا النهج، الذي تخلى عن خطاب "الدفاع" ضد بكين واستبدله بلغة "بناءة" في التعامل، واضحة وملموسة. فقد أدت السياسة الاقتصادية القسرية للصين ضد أستراليا في عهد الحكومة المحافظة السابقة برئاسة سكوت موريسون إلى فرض عقوبات على صادرات أسترالية متنوعة من النبيذ والشعير والكركند والفحم وغيرها. غير أن هذه الحرب التجارية انتهت في ديسمبر 2024 عندما رفعت الصين حظرها الأخير على الكركند الأسترالي.
إلا أنه حتى خلال فترة التوتر الدبلوماسي الحاد، استمر التكامل الاقتصادي بين البلدين، خاصة في قطاع الموارد الطبيعية. فالتجارة الأسترالية للحديد مع الصين ظلت الدعامة الأساسية للرخاء الوطني الأسترالي لمدة ثلاثة عقود، ولم يجرؤ أي طرف من الطرفين على استخدامها كورقة ضغط. وبرغم العقوبات المستهدفة على سلع أسترالية عديدة خلال تلك الفترة، فقد كادت الصادرات الأسترالية الإجمالية إلى الصين أن تتضاعف، ارتفعت من 116 مليار دولار عام 2017 إلى 218 مليار دولار عام 2023. وفي خضم ازدهار التجارة، اختارت حكومة العمال طريق الانفراج بعد فوزها الانتخابي الأول منذ اثني عشر سنة، وأعادت تفعيل الحوار مع بكين، بما في ذلك استئناف الزيارات الرسمية المتبادلة بين القيادتين التي كانت معلقة منذ 2017.
وخلال ولايتها الثانية الحالية، احتفظت حكومة ألبانيزي بانضباط استثنائي في التمسك بخطاب الاستقرار. فلم تستطع حادثتان بارزتان أن تزعزع هذا الموقف: الأولى كانت التفافة أسطول بحري صيني صغير حول الأراضي الأسترالية العام الماضي، والثانية قرار الصين إجراء تدريبات إطلاق نار حي دون إنذار مسبق في بحر تسمان الفاصل بين أستراليا وزيلندا الجديدة.
كان لفكرة "الاستقرار" جاذبيتها المفهومة في عالم تعصفه منافسة القوى الكبرى من جديد: فقد استحضر شي وحتى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هذه الفكرة لوصف العلاقات الأمريكية الصينية بعد قمتهما في بكين في مايو الحالي.
غير أن علامات القلق بدأت تظهر مؤخراً. فتون ألبانيزي تجاه بكين يشتد تدريجياً. وقد أصبح رئيس الوزراء أكثر صراحة في الحديث عن طموحات الصين الإقليمية، معلناً في مقابلة حديثة مع صحيفة نيويورك تايمز أن الصينيين "يسعون على الحد الأدنى إلى زيادة نفوذهم، وإلى الهيمنة على المدى الطويل". كانت هذه المرة الأولى التي ينطق فيها ألبانيزي عن الطموحات الاستراتيجية الصينية بهذه الصراحة.
وبعد قليل من تلك المقابلة، اختبرت الصين صاروخاً قادراً على حمل رؤوس نووية في المحيط الهادئ، مما أجبر يد ألبانيزي. تزامن الاختبار مع التوقيع على تحالف دفاعي جديد بين كانبيرا وفيجي، عقب اتفاقات مماثلة وقعتها الحكومة الأسترالية مع بابوا غينيا الجديدة وفانواتو، إضافة إلى ترتيبات تعاون أمني مع جزر سليمان وتوفالو.
ووصف ألبانيزي الاختبار الصيني بأنه عمل "استفزازي" وأعرب عن أسفه للساعات القليلة فقط التي أعطتها الصين كإنذار مسبق. كان هذا الموقف بمثابة تناقض حاد مع حذره السابق؛ ففي العام الماضي، عندما ظهرت سفينة أبحاث صينية قرب السواحل الأسترالية، اكتفى رئيس الوزراء بتعليق معتدل بأنه سيفضل عدم وجودها.
أشارت افتتاحية نشرتها صحيفة "غلوبال تايمز" الرسمية الصينية مؤخراً إلى أن تعليقات رئيس الوزراء "تستحضر حتماً الفترة غير السارة" في العلاقات الصينية الأسترالية قبل بضع سنوات. لكن هل هذا فعلاً هو المسار الذي ستسلكه الأمور؟ وما الذي يفسر هذا الانقلاب الأسترالي تجاه أكبر شريك تجاري للبلاد؟
لم يصل خطاب ألبانيزي حول الصين بعد إلى مستوى سلفيه موريسون وتيرنبول، اللذين واجها بكين علانية. غير أن التغيير مع ذلك جوهري.
أولاً، لأن هذا الموقف الأصعب يتوافق مع سياسة ترامب الجديدة، التي تتبنى مقاربة أكثر عدائية تجاه الصين. فقد أشار ترامب في مختلف المناسبات إلى نيته فرض رسوم جمركية ثقيلة على الواردات الصينية، مما قد يعزز الحسابات الأسترالية بأن القطع مع الصين لا يزال ممكناً ومفيداً. ثانياً، تعكس الخطوات الجديدة محاولة أسترالية لتعزيز موقعها كقوة إقليمية في منطقة المحيط الهادئ، خاصة مع تعاظم النفوذ الصيني هناك. فالتحالفات الدفاعية مع فيجي وبابوا غينيا الجديدة وفانواتو، بالإضافة إلى ترتيبات الشرطة مع جزر سليمان وتوفالو، تهدف إلى إنشاء شبكة من الحلفاء والشركاء الذين يعتمدون على أستراليا أكثر من اعتمادهم على الصين.
ثالثاً، أن رهان ألبانيزي يختلف عن رهانات الحلفاء الأمريكيين الآخرين. فدول أوروبية عديدة، وكوريا الجنوبية، واليابان حاولت الموازنة بين العلاقات مع الولايات المتحدة وتعميق الروابط الاقتصادية مع الصين. لكن أستراليا تراهن كل شيء على "باكس أمريكانا"، أي على استمرار الهيمنة الأمريكية والتحالف الأمريكي القوي. هذا رهان حقيقي وليس مجرد موقف لحظي.
مع ذلك، فإن هذا التحول يحمل مخاطره الخاصة. فأستراليا تعتمد بشكل كبير على الصادرات إلى الصين، وأي تصعيد قد يهدد ازدهارها الاقتصادي. قد تحاول الصين الانتقام من خلال فرض حظر جديد على السلع الأسترالية، خاصة الحديد والغاز الطبيعي. كما أن التحرك الأسترالي قد يدفع الصين إلى تعميق نفوذها في منطقة المحيط الهادئ بطرق قد تكون أكثر حدة وتهديداً.
في الواقع، قد يكون التحول الأسترالي مؤشراً على تغيير أعمق في حسابات واشنطن وحلفائها. فمع عودة ترامب إلى البيت الأبيض وتبنيه سياسة أكثر عدائية تجاه الصين، قد تشعر دول مثل أستراليا أن الوقت قد حان للاختيار بشكل قاطع بين واشنطن وبكين. ولا شك أن أستراليا اختارت واشنطن.
لكن هذا الاختيار يأتي بثمن. فأستراليا قد تجد نفسها مضطرة إلى خفض اعتمادها على الصين تدريجياً، وتنويع شركائها التجاريين، وتقبل نمو اقتصادي أبطأ على المدى القصير. هذه خطوة محفوفة بالمخاطر، لكنها قد تكون الحساب الاستراتيجي الذي توصلت إليه حكومة ألبانيزي.