يرى الكاتبان جيل بارندولار وجيسون ديمبسي أن سوء الاستراتيجية الأمريكية سبق عهد بيت هيغسيث، وأن سردية «النصر المسلوب» تُغذّي وهم الحسم العسكري في الحرب على إيران. ويحذّران من أن الاعتماد على تفوق القوة وحده أدى مراراً إلى هزائم أمريكية، وأن الطرف الأضعف غالباً ما يفوز حين تتقدم التكتيكات على الاستراتيجية.
السوء الاستراتيجي سبق بكثير بيت هيغسيث وولعه بمفهوم «الفتك»
بقلم جيل بارندولار، باحث أول في جامعة كاثوليك الأمريكية، وجيسون ديمبسي، باحث أول مساعد في مركز الأمن الأمريكي الجديد.
جنود أمريكيون يسيرون في دورية بمقاطعة بكتيكا الأفغانية في 28 نوفمبر 2008، عقب هجوم لحركة طالبان. (تصوير: ديفيد فورست / وكالة فرانس برس عبر غيتي إيميجز)
في إطلاق حربه على إيران، وعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنتائج سريعة وحاسمة. وبعد أكثر من ستة أشهر، ورغم آلاف الغارات الجوية، وآلاف القتلى الإيرانيين، وتدمير سلاحي الجو والبحرية الإيرانيين، لم تنكسر إيران. وقياداتها الجديدة أكثر تشدداً ورفضاً للتسوية من القيادات التي قتلتها الولايات المتحدة وإسرائيل في بداية الحرب. ومن خلال تعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز، تُبقي إيران الاقتصاد العالمي رهينة، في ظل استمرار تقطّع إمدادات النفط والغاز والمشتقات النفطية القادمة من الخليج. أما إدارة ترامب ونواتها المتقلصة من المؤيدين، فقد انطلق سباق البحث عن الأعذار.
ثمة سردية جاهزة تفسّر الإخفاقات العسكرية الأمريكية، ومن المرجّح أن يتبنّاها ترامب، فتزيد إخفاقه تفاقماً. إنها سردية «النصر المسلوب»، القائلة بأن الولايات المتحدة ما تزال قادرة على هزيمة إيران إن توافرت لديها الإرادة والصبر، وأن عليها فقط أن تتحمّل مزيداً من الألم وتطلق مزيداً من الصواريخ. وقد تبنّى الجنرال المتقاعد في الجيش الأمريكي جاك كين هذا الحل المزعوم، قائلاً: «نملك بالفعل القدرة على إنهاء هذا عسكرياً إن أردنا ذلك».
«النصر المسلوب» فكرة قديمة في تاريخ العسكرية الأمريكية، وقد حمل عنوانها إحدى الروايات التنقيحية البارزة لحرب فيتنام. ويستمد هذا الاعتقاد، القائل بأن أي هزيمة ليست سوى نصر ضائع، جذوره من الانشغال بالظروف المادية والحسابات العددية للقوة العسكرية النسبية، وهو ما يمكن وصفه بمدرسة «عدّ الأرقام» في التحليل العسكري. فمنذ الحرب العالمية الثانية، قبل أكثر من ثمانين عاماً، لم تخض الولايات المتحدة حرباً ضد خصم يملك قوة عسكرية أو اقتصادية تضاهي قوتها أو تقاربها. وفي حالات كثيرة، مثل أفغانستان، كان الفارق في القوة بين الجيش الأمريكي وخصمه كبيراً إلى حد يبعث على السخرية. ومع ذلك الاختلال الهائل، خسرت واشنطن الحروب بوضوح وتكرار. فقد كرّر مخططو السياسة والعسكريون الأمريكيون أخطاء فيتنام، وأغفل مهندسو الحرب في أفغانستان العقبات السياسية التي تحول دون النصر، ليقنعوا بأن استراتيجية معيبة قد تنجح بمزيد من الوقت والإرادة.
ورغم أن ثروة الولايات المتحدة وتقنيتها وقدرتها على إسقاط القوة ما تزال في الطليعة حالياً، فإن النزاعات المسلحة لا تُحسم بجرد الأصول العسكرية. ففي حالة تلو أخرى، جاءت قوة واشنطن بنتائج عكسية عليها. وأدى الاعتقاد بأن القوة العسكرية هي المكوّن الوحيد للنجاح إلى سياسة خارجية كسولة ومدمّرة، تتجاهل إرادة الحلفاء والخصوم ودوافعهم. كما يرفع هذا التفكير التكتيك فوق الاستراتيجية، فيُقدّم الانتصارات السريعة في ساحات القتال على الاستنزاف والإنهاك والإرادة. ونتيجة لذلك، فاز الطرف الذي يبدو أضعف غالباً، رغم أنه يقلّ عن الجيش الأمريكي قوة بوضوح.
ومن أبرز عناصر هذا «الانتصار» الأحدث للأمل على التجربة، الاعتقادُ بأن حرب ترامب على إيران ستكون مختلفة. وقد تمثّل ذلك في نسخة دامية من فكرة «النصر المسلوب»، مفادها أن الجيش الأمريكي لم يخلع قفازاته كما ينبغي في العراق وأفغانستان، لكي يتمكن من شن الحرب بفعالية…