سياسةAvailable in English

التضامن بالتلحيم: نوادي الإصلاح توفّر المال وتصنع الصداقات

المعالجة
ترجمة وتحرير Cross Lines
المصدر
The Guardian US
التضامن بالتلحيم: نوادي الإصلاح توفّر المال وتصنع الصداقات
The Guardian US
T
The Guardian US
المصدر الأصلي

تتسع في الولايات المتحدة شبكة «عيادات الإصلاح» التطوعية، التي تساعد الأمريكيين على إصلاح أغراضهم المعطلة بدلاً من رميها، وتعزز الروابط بين الجيران. وتقابل هذه الحركة الشعبية تحركاً تشريعياً متنامياً للاعتراف بحق المستهلكين في الإصلاح.

في إحدى ليالي الاثنين الأخيرة، كانت مساحة عمل يديرها متطوعون في بروكلين بنيويورك تعجّ بعشرات المصلحين. كان بعضهم يعبث بآلات الخياطة، فيما كان آخرون يلحمون لوحات الدوائر الإلكترونية على طاولات العمل. وركّب كالب يونغ، أحد مؤسسي مساحة «بروكلين سبارك»، جهازاً للشفط صنعه بنفسه على مقبض مكنسة كهربائية من نوع «دايسون».

وقال يونغ: «من عاداتنا أن نرمي الأشياء، لكن الإصلاح في بعض الأحيان أسهل مما تتخيل».

تفتح «عيادة الإصلاح» أبوابها كل ليلة اثنين لكل من يريد الحضور دون موعد. ويستطيع أي شخص لديه غرض معطّل، من ملابس ممزقة إلى أجهزة إلكترونية لا تعمل، أن يمر خلال ساعات العمل ليحصل على المساعدة والأدوات اللازمة للإصلاح. وتمثّل هذه العيادات وسيلة للرد على شركات التكنولوجيا التي تصنع هواتفها وأجهزتها بحيث يتعذر إصلاحها عمداً، فيضطر المستهلكون إلى شراء أجهزة أحدث، ما يولّد كميات كبيرة من النفايات الإلكترونية. كما تسهم العيادات في بناء المجتمع المحلي، إذ يقول يونغ إن كثيرين ممن يتعلمون إصلاح أغراضهم يتعلقون بهذه التجربة ويجدون متعة في مساعدة الآخرين.

وأضاف: «نحب أن نقول لهم: لماذا لا تقضون بضع ثوانٍ في محاولة فتح هذا الشيء؟ فهو معطّل على أي حال».

وتُعد عيادة بروكلين جزءاً من شبكة وطنية تقدم خدمات الإصلاح المجتمعي. وقال بيتر موي، الذي أسس أول «عيادة إصلاح» في مدينة بيركلي بولاية كاليفورنيا عام 2009، إنه شهد تزايداً كبيراً في عدد هذه العيادات خلال السنوات القليلة الماضية، إذ استضافت ما لا يقل عن 2000 عيادة في أنحاء البلاد. وقال موي: «نقدم هذه الورش في المكتبات والكليات والأماكن العامة، حيث يستطيع المصلحون وأفراد المجتمع أن يلتقوا».

وتحقق عيادات مماثلة لا تنتمي إلى هذه الشبكة نجاحاً أيضاً. فمقاهي الإصلاح، وهي مبادرات مجتمعية نشأت في الأصل في أمستردام، لها اليوم نحو 250 فرعاً في الولايات المتحدة. كما بدأت فعاليات إصلاح في المراكز المجتمعية المحلية تظهر في مختلف أنحاء البلاد.

وقد استجابت المقترحات السياسية لهذا الطلب الشعبي. فمنذ عام 2012، أقرت 24 ولاية بنجاح نوعاً من تشريعات «الحق في الإصلاح»، تُلزم الشركات المصنِّعة بجعل منتجاتها قابلة للإصلاح بدلاً من أن تنتهي في مكبات النفايات. وفي هذا العام، قُدّم 57 مشروع قانون للحق في الإصلاح في 22 ولاية، تهدف إلى تيسير إصلاح أجهزة مثل الهواتف والكراسي المتحركة ومعدات البناء. كما قدّم أعضاء في الكونغرس مشروع قانون فيدرالياً ثنائي الحزبية للحق في إصلاح السيارات، يُعرف باسم «قانون الإصلاح» (Repair Act)، لكنه لم يُطرح بعد للتصويت في مجلس النواب بكامل هيئته.

ويعزو موي تنامي هذا الاهتمام إلى تساؤل الناس عن الكلفة البيئية والاقتصادية لثقافتنا الاستهلاكية. وقال: «جانب كبير من نظامنا الرأسمالي مرتبط بالاستهلاك الذي لا يتوقف. لكن إذا اجتمعنا لاستعادة سيطرتنا على الأشياء التي نملكها وتمكين أنفسنا فيها، يمكننا أن نبني مستقبلاً أكثر استدامة».

بناء ثقافة إصلاح من القاعدة

جاء أول قانون حديث للحق في الإصلاح على مستوى الولايات عام 2012، حين منحت ولاية ماساتشوستس أصحاب السيارات حق إصلاح سياراتهم لدى ورش الصيانة المستقلة. وأقر الكونغرس عام 2014 مشروع قانون أجاز «فك قفل الهواتف»، ما مكّن المستهلكين من تغيير شركة الاتصالات الخلوية دون شراء هاتف جديد. كما رفع مزارعون وولايات دعاوى قضائية ضد شركة «جون دير» المصنّعة لمعدات الزراعة بسبب القيود المفروضة على إصلاح معداتهم، وأفضت هذه الدعاوى إلى تسويات مع الشركة.

ووصل الحق في الإصلاح إلى مستوى جديد من الوعي العام عام 2024، حين غضب مستهلكون في أنحاء البلاد من تعطل آلات «ماكفلوري» المخصصة لخلط الآيس كريم. فقد كان قانون الألفية الرقمية لحقوق النشر (DMCA) يحمي البرمجيات الموجودة في هذه الآلات، ما يعني أن الشركة المصنّعة، وهي «تايلور»، هي وحدها التي تستطيع إصلاحها. وبعد التماسات تقدم بها مستهلكون ومجموعات مدافعة عن حقوقهم، منح مكتب حقوق النشر الأمريكي استثناءً من حقوق النشر يسمح للجهات الخارجية بإصلاح آلات «ماكفلوري».

وقال ناثان بروكتور، المدير الأول لحملة «الحق في الإصلاح» في مجموعة البحث في المصلحة العامة، إن استجابات الشركات لقوانين الحق في الإصلاح تتراوح بين الامتثال والمقاومة الصريحة. فعلى سبيل المثال، أتاحت شركة «أبل» تدريجياً بعض القطع والأدلة الإرشادية للإصلاح، في حين قاومت صناعة السيارات قوانين الحق في الإصلاح. وأضاف: «بعض الشركات عدائية وترفض توفير مواد الإصلاح، بينما وضعت شركات أخرى سياسات وطنية لبيع قطع الغيار».

غير أن الحركة الشعبية المتنامية للإصلاح المجتمعي تمنح بروكتور الأمل. وقال: «نحتاج إلى تغيير القانون وبناء ثقافة للإصلاح في آنٍ معاً. أن نرى هذه الفعاليات المجتمعية تنطلق دون أي دعم مؤسسي، فهذه إشارة إلى أن فكرة الإصلاح تلقى صدى لدى الناس».

تعليم جيل جديد من المصلحين

في جامعة ولاية سان خوسيه بكاليفورنيا، صوّت الطلاب مؤخراً على اختيار نادي «عيادة الإصلاح» كأكثر نادٍ طلابي تأثيراً في الحرم الجامعي. وتنظم المجموعة، التي يقودها الطلاب، عيادات شهرية لزملائهم وأفراد المجتمع في مكتبات المدينة. وقالت رئيسة النادي ليلي أندروز: «نحب أن نقول للناس: إذا استطعتم إدخاله من الباب، فنحن نستطيع إصلاحه لكم».

ومنذ تأسيس الفرع عام 2024، استضاف النادي ورشاً داخل الحرم الجامعي وخارجه، لتعليم طلاب المدارس المتوسطة وطلاب الجامعات وأفراد المجتمع مهارات مثل الخياطة ولحام المعادن. وقالت أندروز، وهي طالبة في السنة الثالثة بكلية الهندسة الميكانيكية، إن استضافة هذه العيادات منحتها تدريباً عملياً يتجاوز النظريات التي تدرسها في القاعة. وأضافت: «عندما أفتح الأجهزة، أتمكن من رؤية طريقة تصنيعها بوضوح، وكيف تتفاعل مكوناتها الميكانيكية».

وذكرت أندروز أنها تعلمت كيف صُممت كثير من منتجاتنا بحيث تثبّط عملية الإصلاح، وقالت: «كل هذه الصواميل والمسامير والبراغي تجعل فك الأجهزة أمراً مخيفاً».

وأوضح موي، مؤسس أول «عيادة إصلاح»، أن هذه هي الخطوة التالية في رسالة العيادات، وهي إطلاق مزيد من الفعاليات بالشراكة مع الكليات والجامعات، بهدف تدريب جيل جديد من المصممين والمهندسين. وقال: «ينصب تركيزي على سؤال: كيف ندرّب الطلاب على إعادة التفكير في النظام بأكمله؟»

وتقول أندروز إن تجربتها في قيادة النادي ألهمتها لتشق مساراً مختلفاً للمستقبل. وقالت: «الإصلاح ليس مهارة هندسية فحسب، بل هو مهارة ينبغي أن يمتلكها الجميع. أريد أن أواصل تطبيق ما تعلمته في عملي، حتى نمنع الأغراض من الانتهاء في مكبات النفايات، ونحمي البيئة ونقلل الهدر».

شارك المقال

الوسوم:#الحق في الإصلاح#النفايات الإلكترونية#الاستهلاك المستدام#الإصلاح المجتمعي#حقوق المستهلك#الاقتصاد الدائري
المصدر: The Guardian US

لفهم السياق

قراءات مرتبطة بنفس الملف أو آخر تطوراته