وصل رتل عسكري جزائري إلى النيجر يوم الجمعة الماضي، ليكون أول انتشار للقوات المسلحة الجزائرية في الخارج منذ عام 1973، حين دعمت الجزائر مصر في حربها ضد الاحتلال الإسرائيلي لشبه جزيرة سيناء.
ويمثل هذا الانتشار تحولاً كبيراً عن سياسة عدم التدخل المبدئية التي التزمتها الجزائر منذ سنوات طويلة. ويأتي بعد قرار الجزائر في 30 أغسطس إرسال أربع مقاتلات إلى النيجر، لإحباط محاولة انقلاب استهدفت الرئيس عبد الرحمن تياني.
ورغم معارضة الدولة المغاربية للانقلاب الذي أوصل تياني إلى السلطة عام 2023، يبدو الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون مستعداً اليوم لتقديم طوق نجاة يحتاج إليه الزعيم المحاصر بشدة.
وقد طلب تياني هذا الانتشار. وقال عضو مجلس الأمة الجزائري بلقاسم بولقيطي يوم الأحد إن القوات ستحمي البنى التحتية الاقتصادية والمنشآت النفطية التابعة للشركات الجزائرية.
وأضاف بولقيطي أن الجزائر «لا ترسل جنودها لخوض حرب في النيجر».
وقدّم الدبلوماسي الجزائري المتقاعد عمار بلاني، وهو من كبار الدبلوماسيين السابقين، مؤشراً على تفكير الجزائر في مقال نُشر في أكتوبر. ووصف بلاني عدم الاستقرار المتزايد في الساحل، بما في ذلك النيجر، بأنه جزء من «استراتيجية لزعزعة الاستقرار تشارك فيها بفعالية الإمارات العربية المتحدة والمغرب وإسرائيل وبعض الوكلاء الفرنسيين».
وأوضح بلاني أن استمرار عدم الاستقرار في النيجر «سيهدد مباشرة المصالح الجزائرية»، وسيعرقل مشروع خط أنابيب الغاز العابر للصحراء الذي يربط نيجيريا بالنيجر ثم الجزائر.
الضرورة الأمنية
وقالت زين غبولي، الزميلة الزائرة في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، لموقع «ميدل إيست آي» إن الوضع في المنطقة «يفرض على الجزائر متطلبات أمنية جديدة، وضرورة تأمين مصالحها الاستراتيجية، لا سيما في قطاع الطاقة».
ويشمل هذا الوضع الإقليمي المتطور حضوراً متنامياً لدولة الإمارات العربية المتحدة، التي قطعت الجزائر علاقاتها الدبلوماسية معها في سبتمبر، بعدما «استنفدت كل السبل للحفاظ على العلاقات الثنائية»، بحسب ما ورد.
«تتهم الجزائر الإمارات بالمسؤولية عن إراقة الدماء في مختلف أنحاء المنطقة، وترى أن الدور الإماراتي مدمّر»
- زين غبولي، زميلة زائرة في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية
وقالت وزارة الخارجية الجزائرية إنها حذّرت أبوظبي مراراً من «أفعالها العدائية»، وبذلت جهداً كبيراً في «لفت انتباه الجانب الإماراتي وتحذيره من العواقب الوخيمة التي قد تترتب على سلوكه المؤسف وغير المبرر».
وجاء في بيان الوزارة: «رغم هذه التحذيرات المتكررة، واصلت دولة الإمارات العربية المتحدة هذه الأفعال، حتى بلغت حداً لم يعد معه ممكناً قبولها أو التسامح معها في إطار العلاقات بين دولتين ذواتي سيادة، أو السكوت عليها».
وقالت غبولي: «إن قرار الجزائر قطع العلاقات يثبت أن الجزائريين رأوا في المناورات الإماراتية أمراً متفجراً لا يمكن التوفيق معه».
ويلقى تدخل الإمارات الإقليمي وشراكتها مع إسرائيل معارضة متزايدة من حكومات عدة في المنطقة. فقد قطع السودان علاقاته مع أبوظبي بسبب ما قيل إنه تمويل موثّق لحرب أهلية دامية في البلاد وتأجيج لها.
كما اتهمت الصومال وليبيا واليمن أبوظبي بتهديد وحدة أراضيها، من خلال دعمها جماعات مسلحة متنافسة وقوى انفصالية.
وقالت غبولي: «ترى الجزائر أن الدعم الدبلوماسي والمالي والعسكري الذي تقدمه أبوظبي لعدة أطراف في المنطقة، من ليبيا إلى السودان والساحل، يخدم الانقسام».
وأضافت: «تتهم الجزائر الإمارات بالمسؤولية عن إراقة الدماء في المنطقة، وترى أن دورها مدمّر. كما أن الضغوط والمساعي الإماراتية لدفع أطراف إقليمية إلى توسيع اتفاقيات أبراهام كانت نقطة خلاف أخرى».
وكانت تشير بذلك إلى اتفاقيات التطبيع مع إسرائيل، التي شملت دولاً عربية من بينها المغرب.
وخلال السنوات الأخيرة، عملت الإمارات بكثافة على توطيد علاقاتها مع الأنظمة العسكرية في الساحل، عبر دبلوماسية رفيعة المستوى وتجارة الذهب والاستثمار.
وفي مايو 2025، التقى الوزير الإماراتي الشيخ شخبوط بن نهيان بقادة مالي وبوركينا فاسو والنيجر لبحث التعاون في التنمية الاقتصادية والطاقة وقطاعات أخرى. وأدرجت الحكومة المالية الأمن صراحةً ضمن الموضوعات التي جرى بحثها.
وقالت غبولي: «لطالما اعتُبر الساحل امتداداً للأمن القومي الجزائري، والجزائر تتصرف اليوم وفق هذا المبدأ».
وأضافت: «إن التحولات الجيوسياسية الراهنة، وما تنطوي عليه من تنافس مع جهات أجنبية وتدخلاتها، تعني أن أدوات جديدة، مثل إظهار الحضور، بما في ذلك على المستوى العسكري، لم تعد من المحرمات، وستُستخدم لرسم الخطوط الحمراء الجزائرية وتعزيزها».
ممرات الطاقة المتنافسة
يشكّل خليفة حفتر، الحاكم الفعلي لشرق ليبيا، مصدر قلق آخر. وتدعم الإمارات حفتر، الذي يقود القوات المسلحة العربية الليبية.
وقد أثار توسع حفتر العسكري نحو الممرات التي تربط ليبيا بالنيجر مخاوف الجزائر من النفوذ الإماراتي على حدودها الجنوبية.
وقال جلال هرشاوي، المحلل المختص بالشأن الليبي المرتبط بمعهد الملكية المتحدة للدراسات الدفاعية والأمنية (RUSI)، لموقع «ميدل إيست آي»: «لطالما كانت العلاقة بين الجزائر وعائلة حفتر سيئة منذ سنوات، وقد أوضح التمرد الذي شهدته النيجر في الأيام الأخيرة من أغسطس ذلك».
ويدعم نجل حفتر، صدام، محمود صالح، وهو معارض نيجري لتياني.
وقال هرشاوي عن النيجر: «صدام حفتر والدولة الجزائرية في معسكرين متعارضين».
وأضاف: «مع ذلك، لا ينبغي للمراقبين أن يفترضوا أن الجزائر تتدخل في ليبيا. فجهودها الحالية تتمثل في نشر قوات على الأراضي النيجرية، ومهمتها مرتبطة بما يجري داخل النيجر، أي الحفاظ على الأمن ضمن إطار سيتضح أكثر خلال الأيام والأسابيع المقبلة».
وقد يساعد تقارب تركيا مع حفتر في أكتوبر الجزائر على تعزيز موطئ قدمها في الساحل. فأنقرة والجزائر تربطهما علاقات دبلوماسية وثيقة، وتتقاسمان مصالح في ليبيا والسودان، ما قد يمنح الجزائر قناة خلفية للتواصل مع حفتر.
وتسعى الرباط أيضاً، بحسب تقارير، إلى التقرب من عائلة حفتر. فقد قام الفريق خالد حفتر، نجل آخر لخليفة حفتر ورئيس هيئة الأركان العامة للقوات الشرقية الليبية، بزيارة رسمية إلى المغرب الشهر الماضي.
وإلى جانب ذلك، تقف مصالح الطاقة والاقتصاد وراء نهج الجزائر تجاه النيجر.
فالشركة الوطنية الجزائرية للمحروقات «سوناطراك»، والحكومة النيجرية، والشركة الوطنية النيجيرية للبترول، يطورون بشكل مشترك خط أنابيب يمتد لمسافة 4000 كيلومتر، لنقل الغاز النيجيري عبر النيجر والجزائر، ومنهما إلى أوروبا.
وقالت الدكتورة فatiha دازي-هيني، الباحثة السياسية المتخصصة في شبه الجزيرة العربية في المعهد الفرنسي للدراسات الاستراتيجية (IRSEM) في باريس ومعهد العلوم السياسية في ليل: «إن القوات معنية بحماية المنشآت الطاقوية، ولا سيما مشاريع سوناطراك النفطية وممر خط أنابيب الغاز العابر للصحراء».
وفي المقابل، يروّج المغرب لخط أنابيب منافس على مسار أطلسي، يعتمد على احتياطيات الغاز النيجيرية نفسها لتزويد الأسواق الأوروبية ذاتها.
والأهم من ذلك أن الإمارات وافقت على دعم خط أنابيب نيجيريا-المغرب ماليّاً وفنيّاً.
وقالت دازي-هيني لموقع «ميدل إيست آي»: «النيجر هي البلد الوحيد الذي لا يمكن للمسار البري تجاوزه. وبتأمين النيجر، تحمي الجزائر ردّها الخاص على المحور المغربي-الإماراتي. ومن الواضح أن الرباط وأبوظبي تعنيهما الغلبة للمسار الأطلسي، وتعنيها إسرائيل بشكل غير مباشر من خلال شراكتها مع المغرب».
وأضافت أن «الثقافة الاستراتيجية الحذرة التي تميّز الجزائر تعكس اليوم القيود الاستراتيجية الجديدة التي تواجهها».
تهديد الإمارات وإسرائيل والمغرب يدفع الجزائر لإرسال قوات إلى النيجر
وصل رتل عسكري جزائري إلى النيجر يوم الجمعة الماضي، في أول انتشار للقوات الجزائرية خارج البلاد منذ عام 1973، وهو تحوّل كبير عن سياسة عدم التدخل التي التزمتها الجزائر طويلاً. ويأتي الانتشار بعد قرار الجزائر في 30 أغسطس إرسال أربع مقاتلات إلى النيجر لإحباط محاولة انقلاب على الرئيس عبد الرحمن تياني.
ترجمة وتحرير كروس لاينز

شارك المقال
#الجزائر#النيجر#الساحل#الإمارات#الغاز#ليبيا
المصدر الأصلي: Middle East Eye


