تخوض امرأة أوكرانية معركة محفوفة بالمخاطر لإعادة ابنها من الأراضي التي تسيطر عليها روسيا، متحدية الحواجز العسكرية والبيروقراطية في محاولة يائسة لم الشمل. تتجسد في قصتها معاناة آلاف الأسر المفككة جراء الحرب الدائرة منذ سنوات.
في خيمة بيج صغيرة بالقرب من خط التماس، تجلس أم أوكرانية تحدق إلى الأفق البعيد، تحمل صورة ابنها في يدها المرتعشة. إنها تنتظر منذ أسابيع، متنقلة بين المخيمات والمحطات، تبحث عن أي طريق لإعادة الاتصال به في المناطق التي تحتلها القوات الروسية.
قصة هذه الأم ليست فريدة في أوكرانيا المحاصرة. منذ بدء الحرب الروسية الأوكرانية، فقدت آلاف العائلات الاتصال بأحبائهم وراء خطوط المواجهة. بعضهم اختار البقاء في المناطق المحتلة، وآخرون اضطروا للبقاء، فيما سعت عائلاتهم بكل الوسائل المتاحة للوصول إليهم.
تروي الأم أن ابنها البالغ من العمر 23 سنة بقي في مدينته حين فرت هي مع بقية أفراد الأسرة. كانت تعتقد أنه سيتمكن من اللحاق بهم لاحقاً، لكن الخطوط الفاصلة تحركت بسرعة، وحاصرته الحرب في مكانه.
لم تحصل على أي أخبار موثوقة عن حالته لشهور طويلة. جاءتها رسائل متقطعة عبر وسطاء، وحكايات من أشخاص قالوا إنهم شاهدوه. لكن في ظل الفوضى والدمار، بقيت محاولات التحقق محبطة وغير حاسمة.
بدأت رحلتها للوصول إليه بعد أن اكتشفت أن هناك نقاط عبور محدودة بين الأراضي التي تسيطر عليها أوكرانيا والمناطق المحتلة. لكن الوصول إليها ليس سهلاً. تتطلب العملية تصاريح من السلطات، وموافقات من مختلف الجهات، وتنسيقاً دقيقاً قد لا يتحقق أبداً.
زارت مكاتب حكومية أوكرانية، والتقت بمسؤولي الصليب الأحمر، وتواصلت مع منظمات إنسانية. كل مكان أرسلها إلى مكان آخر. البيروقراطية ثقيلة والوقت ينفد، والأمل يتلاشى كل يوم.
تقول إنها لن تستسلم. كل صباح تستيقظ وتعود إلى الكفاح. لم تتوقف عن محاولة إيجاد طرق بديلة أو التواصل مع من قد يساعدها. بعض الأمهات الأخريات في نفس الحال اجتمعن معها، وبدأن ينظمن جهودهن المشتركة.
الأوضاع الأمنية تزيد من صعوبة المهمة. القتال لا يهدأ في أجزاء من البلاد، والطرق غير آمنة، والرحلات إلى مناطق التماس محفوفة بالمخاطر. بعض النقاط الحدودية تُغلق دون سابق إنذار. الطقس البارد يجعل البقاء في المخيمات محنة إضافية.
تعترف الأم أنها فقدت الشعور بالوقت. الأيام تمتزج ببعضها. لا تعرف كم مضى على آخر مكالمة مع ابنها. قد تكون شهوراً، وقد تكون أطول. الذاكرة بدأت تخيب، والأمل بدأ يتصدع.
لكنها تحتفظ بصورته في محفظتها. تخرجها في لحظات الضعف. تتذكر كيف كان يضحك، كيف كان يحلم ببناء حياة عادية. تخبر نفسها أنه ما زال حياً، أنه في مكان ما خلف الخطوط، ربما يفكر فيها أيضاً.
حكاية هذه الأم تمثل معاناة عميقة لا تناله أضواء الأخبار العالمية. في حين يناقش العالم الجوانب السياسية والعسكرية للحرب، هناك ملايين الأشخاص يعيشون قصص شخصية مريرة، يسعون فقط إلى لم شمل أسرهم.
المسؤولون الأوكرانيون يقرون بأن إعادة التوحيد العائلي أولوية، لكن الإمكانيات محدودة والحالات بالآلاف. بعض الدول المجاورة توفر مساعدات إنسانية، لكنها لا تكفي لحل الأزمة.
في المخيم، التقت الأم بنساء أخريات يعشن نفس الحلم والمعاناة. صرن صديقاتها، تشاركن الطعام والدفء والأمل. في بعض الأحيان، يأتيهن نبأ سعيد: امرأة ما تمكنت من إعادة الاتصال بابنها، أو شخص ما وجد سبيلاً للعبور. هذه الأخبار توقد شرارة الأمل من جديد.
لكن الواقع قاس. ليست كل القصص تنتهي بنهاية سعيدة. بعض الأشخاص لم يُسمع عنهم أبداً. بعض الأمهات أدركن أن أحبائهن قد لا يعودون.
تصر هذه الأم على عدم الاستسلام. قررت أنها ستجرب طريقة جديدة، ربما عبر وسيط آخر، أو منظمة أخرى. العزم في عينيها لم ينطفئ. تعلم أن احتمالات النجاح ضئيلة، لكن ما دام هناك أي احتمال، ستستمر في المحاولة.
في العالم الذي يتابع أرقام الضحايا والخسائر العسكرية، تبقى قصتها وقصص الآلاف مثلها شهادة على التكلفة الإنسانية الحقيقية للحرب. خلف كل رقم، هناك شخص. وخلف كل شخص مفقود، هناك أم، أب، زوج، أو طفل ينتظرون.