أوقفت السلطات الأرمنية في مطلع أكتوبر/تشرين الأول أرتور دانيليان، زعيم حزب «أديكفاد» المعارض، على خلفية منشور في فيسبوك انتقد فيه رئيس الوزراء نيكول باشينيان.
وتندرج الحادثة ضمن مسار متصاعد؛ فعلى مدى العامين الماضيين وجّهت السلطات الأرمنية اتهامات إلى عدد من الشخصيات المعارضة، استناداً في معظمها إلى نشاطها على وسائل التواصل الاجتماعي.
ويحذّر ممثلو منظمات المجتمع المدني من أن هذه «العدالة الانتقائية» تشير إلى انزلاق مقلق نحو التراجع الديمقراطي.
واستند توقيف دانيليان إلى منشورات في فيسبوك انتقد فيها باشينيان وأجهزة الأمن في البلاد.
ومن نقاط الخلاف موقف باشينيان من صفقة تبادل محتملة تخص جندياً أذربيجانياً متهماً باقتحام منزل امرأة في التاسعة والثلاثين من عمرها في قرية شاكي الأرمنية، وبإصابتها وإصابة أطفالها.
وفي مقابلة مع وكالة «إنفوكوم» الأرمنية، استبعد باشينيان مبادلة الجندي المسجون في أرمينيا بأرمن محتجزين في أذربيجان. فرد دانيليان بهجوم لاذع، ووصف رئيس الوزراء بـ«الحثالة»، واتهمه بأنه لا يريد إعادة مواطنيه إلى بلادهم.
وكانت أرمينيا وأذربيجان قد خاضتا صراعاً استمر ثلاثة عقود على إقليم قره باغ، وهو إقليم أذربيجاني انفصالي يسكنه أرمن وأعلن استقلاله في تسعينيات القرن الماضي. وبعد الهجوم العسكري الأذربيجاني عام 2023، استعادت باكو السيطرة على الإقليم، ما دفع أكثر من 100 ألف أرمني إلى النزوح. ويقبع حالياً 19 أرمنياً في سجون باكو، بينهم مسؤولون كبار سابقون في الإدارة الانفصالية للإقليم.
ملاحقات انتقائية متزايدة؟
أدانت أكثر من اثنتي عشرة منظمة أرمنية من منظمات المجتمع المدني ملاحقة زعيم حزب «أديكفاد»، ووصفتها بأنها «غير قانونية بجلاء، ومفرطة في تشددها، وذات دوافع سياسية».
وجاء في بيان مشترك للمنظمات: «إنها ملاحقة ذات طابع عقابي، وتوجّه رسالة مباشرة إلى عموم المجتمع تهدف إلى إسكات المعارضة والآراء الناقدة والأصوات غير المرغوب فيها».
وفُتحت إجراءات جنائية عدة أخرى ضد ناشطين انتقدوا السلطة الحاكمة أو باشينيان نفسه.
وبرزت قضية بارزة أخرى قبيل الانتخابات البرلمانية في يونيو/حزيران، حين اعتُقل أرتور أوسيبيان، وهو ناشط نازح من قره باغ، بعد مشادة كلامية مع باشينيان بشأن سياسته تجاه الإقليم.
وعلى إثر الحادثة، وجّه الادعاء الأرمني إلى أوسيبيان تهمتي الإخلال بالنظام العام وعرقلة الحملة الانتخابية للحزب الحاكم. كما اتُّهم بالتحريض على العنف ضد باشينيان في منشور على مواقع التواصل يعود إلى مارس/آذار.
هل حرية التعبير في خطر؟
في 15 أبريل/نيسان 2020، أُضيفت المادة 226.2 إلى قانون العقوبات الأرمني، وهي تجرّم الدعوات العلنية إلى العنف، وكذلك تبرير العنف أو الترويج له علناً.
وبعد موجة غضب واسعة في أوساط المجتمع المدني، أُلغي التجريم عن هذه الأفعال لاحقاً. وبحسب تقرير لمنظمة «فريدوم هاوس» لعام 2025، فإن «نحو 95 في المائة من القضايا القضائية المتعلقة بالتحريض على العنف بموجب تعديل 2020 على قانون العقوبات، تناولت تهديدات مزعومة ضد رئيس الوزراء باشينيان ومؤيديه، في حين لم تخضع تصريحات يُحتمل أن تكون محظورة صدرت عن أعضاء في الحزب الحاكم للتدقيق نفسه، على ما يبدو».
وطوال الفترة التي سبقت انتخابات 2026، رصد «المركز الإقليمي للديمقراطية والأمن»، وهو مركز أبحاث مستقل مقره يريفان، خطاب الكراهية على الإنترنت الموجّه ضد لاجئي قره باغ.
ووثّقت تقارير المركز كيف استغل مدونون مؤيدون للحكومة ومؤثرون على مواقع التواصل منصاتهم لتوجيه خطاب عدائي إلى الأرمن النازحين من قره باغ، ووصفهم بألفاظ مهينة. ورغم هذه النتائج، امتنعت أجهزة إنفاذ القانون في أرمينيا في معظم الأحيان عن ملاحقة هؤلاء الناشطين جنائياً.
لماذا لا يتحرك الاتحاد الأوروبي؟
رغم سعي أرمينيا إلى توثيق علاقاتها بالاتحاد الأوروبي، لم تصدر بروكسل رداً واضحاً على إسكات الأصوات المعارضة، بحسب مراقبين في يريفان تحدثوا إلى DW.
وقال المحلل السياسي تيغران غريغوريان: «اعتمد الاتحاد الأوروبي في المجمل نهجاً براغماتياً شديد الارتباط بالحسابات الجيوسياسية».
وأضاف: «في ضوء التطورات الإقليمية، ومنها ما يجري في جورجيا، أصبحت أرمينيا الشريك الأول للاتحاد في المنطقة. ويُضاف إلى ذلك أن البديل عن باشينيان هو معارضة موالية لروسيا، ولذلك لا يوجد في نهاية المطاف رد جدي على هذه القضايا الجنائية».
وأيّده في هذا الرأي شتيفان مايستر، خبير شؤون أوروبا الشرقية في المجلس الألماني للعلاقات الخارجية، إذ يرى أن الدعم الأوروبي لأرمينيا «تحركه أساساً السياسة الأوروبية تجاه روسيا». وقال مايستر: «المسألة لا تتعلق بأرمينيا نفسها بقدر ما تتعلق بتعزيز القوى التي تقوّض النفوذ الروسي في البلاد وفي المنطقة».
ويرى مايستر أن باشينيان استثمر هذه الديناميكية الجيوسياسية ليصف خصومه السياسيين في الداخل بأنهم وكلاء لروسيا. غير أنه شدد على أن ليس كل من ينتقد باشينيان مؤيداً لموسكو، مضيفاً أن «الاتحاد الأوروبي يقع بشكل ما في هذا الفخ، حين يقبل بأن هذه هي الرواية الصحيحة».
الاتحاد الأوروبي: على أرمينيا الوفاء بالتزاماتها
وقال متحدث باسم الاتحاد الأوروبي، في رد مكتوب على طلب DW للتعليق، إن الديمقراطية وسيادة القانون والحقوق الأساسية تقع في صميم اتفاقية الشراكة الشاملة والمعززة بين الاتحاد وأرمينيا، والأجندة الاستراتيجية للشراكة بينهما.
وأشار المتحدث كذلك إلى أن «الاتحاد الأوروبي يتابع عن كثب التطورات في البلاد، بما فيها التحقيقات الجنائية. ووفقاً للالتزامات الدولية لأرمينيا وإطارها القانوني، ينبغي أن تُجرى هذه التحقيقات بصورة مستقلة ونزيهة، بعيداً عن الاعتبارات السياسية».
أرمينيا: ملاحقة انتقائية للمعارضين تختبر علاقتها بأوروبا
اعتقلت السلطات الأرمنية زعيم حزب «أديكفاد» المعارض بسبب منشور انتقد فيه رئيس الوزراء، في سياق ملاحقات متكررة تستهدف معارضين بسبب نشاطهم على مواقع التواصل. وتحذّر منظمات مدنية من تراجع ديمقراطي، فيما يلتزم الاتحاد الأوروبي، بحسب مراقبين، موقفاً براغماتياً تحكمه اعتبارات جيوسياسية.
ترجمة وتحرير كروس لاينز

شارك المقال
#أرمينيا#باشينيان#المعارضة الأرمنية#حرية التعبير#الاتحاد الأوروبي#قره باغ
المصدر الأصلي: DW World

