كوريا الجنوبية تختبر طريقاً بحرياً بديلة عبر القطب الشمالي
France 24
F
France 24
المصدر الأصلي
أرسلت كوريا الجنوبية أول حاوية شحن تجريبية عبر القطب الشمالي، في الوقت الذي يعطّل النزاع في الشرق الأوسط الملاحة البحرية العالمية ويدفع الحكومات والشركات للبحث عن بدائل. تحذر جماعات بيئية من أن هذه الطريق قد تسارع من ذوبان الجليد القطبي.
أعلنت وزارة المحيطات الكورية الجنوبية في بيان السبت أن السفينة المخصصة للرحلة التجريبية غادرت الميناء في الساعة التاسعة والنصف مساءً بتوقيت محلي (الثانية والنصف صباحاً بتوقيت غرينتش).
في خطوة تعكس الاضطراب الذي يشهده النقل البحري العالمي، أطلقت سيول أول رحلة تجريبية لناقلة حاويات عبر المحيط المتجمد الشمالي، وذلك وسط تصعيد النزاع في الشرق الأوسط الذي تسبب فيه الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران في فبراير الماضي. لكن جماعات بيئية تحذر من أن استخدام هذا المسار قد يؤدي إلى تسارع ذوبان جليد المناطق القطبية.
اضطر الملاح العالمي للبحث عن مسارات بديلة لتجنب مياه الشرق الأوسط المضطربة بفعل الصراع الجيوسياسي. تبحر ناقلة الحاويات "بان ستار أكرو" من ميناء بوسان في كوريا الجنوبية متجهة نحو أوروبا عبر القطب الشمالي، بهدف التحقق من جدوى المسار التجاري الذي فتحته عمليات ذوبان جليد البحر في المنطقة.
ستتوجه السفينة إلى فيليكستو في بريطانيا، ثم روتردام في هولندا وجدانسك في بولندا قبل عودتها، على أن تستغرق الرحلة حوالي 45 يوماً وفقاً للوزارة.
تأتي هذه الرحلة بعد انطلاق ناقلة الحاويات الصينية "دبي تاور" من مدينة نينغبو الساحلية في الشرق، الشهر الماضي، متجهة شمالاً عبر مضيق بيرنغ ثم منحنية غرباً على طول ساحل روسيا في القطب الشمالي.
عادة ما يمر الطريق البحري التقليدي بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس، لكن الملاحة عبر القطب الشمالي توفر حوالي 7000 كيلومتر (4300 ميل) من المسافة وحوالي 10 أيام من وقت الرحلة، وفقاً لمعهد كوريا للسياسة الاقتصادية الدولية.
قال نائب وزير المحيطات الكوري نام جاي هون إن طريق القطب الشمالي "ستصبح حتماً بديلاً" عن مسارات الشحن في الشرق الأوسط، مع اشتداد المخاطر الجيوسياسية وتقدم التكنولوجيا اللذين يزيدان من قدرتها على المنافسة.
قال مارك لانتين، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القطب الشمالي بالنرويج، إن الرحلة - التي تأتي بعد فترة قصيرة من انطلاق السفينة الصينية "دبي تاور" في رحلتها القطبية الخاصة - تشير إلى أن "الممر البحري الشمالي" يصبح طريقاً معترفاً بها كممر نقل بحري "ثانوي". أضاف في حديث لوكالة الصحافة الفرنسية أن نجاح الرحلة سيوضح اهتمام كوريا الجنوبية بـ"تطوير مسارات شحن بحري بديلة"، وسط مخاوف من أن تتخلف عن الركب مع توسع الشركات الصينية تقديم خدمات منتظمة عبر الممر القطبي الذي يزداد جدواه اقتصادياً.
تحوم مخاوف حول احتمال مخالفة السفن الكورية الجنوبية للعقوبات الغربية على روسيا - الحليف الأمني الرئيسي لكوريا الشمالية - في حال استخدمت الممر القطبي، كون ذلك يتطلب الحصول على خدمات الملاحة والطقس الروسية مقابل رسوم صغيرة. رفضت وزارة الخارجية الكورية التعليق على هذه المخاوف عندما سألتها وكالة الصحافة الفرنسية.
أكدت وزارة المحيطات أنه تمت إكمال "التشاورات مع الدول والهيئات المعنية الرئيسية" لـ"تنفيذ الإجراءات الإدارية اللازمة" للرحلة.
قال فلاديمير تيخونوف، أستاذ الدراسات الكورية بجامعة أوسلو، إن "العقوبات الأمريكية والأوروبية ليست قانوناً دولياً بالمعنى الدقيق، على خلاف عقوبات الأمم المتحدة". وأضاف في تصريح لوكالة الصحافة الفرنسية: "مع استمرار عدم الاستقرار في الشرق الأوسط - الذي يعود جزئياً إلى تصرفات أمريكية - قد تجد كوريا الجنوبية خيارات قليلة إذا ثبتت جدوى الممر القطبي اقتصادياً".
بين لانتين أن طموحات الصين بشأن الممر البحري الشمالي تحمل دوافع سياسية أكثر من مثيلتها الكورية، حيث تعتبر بكين المناطق القطبية "حدوداً استراتيجية جديدة"، مما يثير مخاوف أمنية غربية.
في المقابل، حذرت جماعات بيئية من أن تزايد حركة السفن على الممر البحري الشمالي الأقصر قد يسرع من فقدان جليد القطب الشمالي الذي تسبب فيه الاحترار العالمي بالفعل.
تعهدت شركات نقل كبرى منها سي إم إيه سي جي إم وإم إس سي وهابج لويد بتجنب مسارات الشحن في المناطق القطبية.
يُعتقد أن الممر البحري الشمالي لا يكون قابلاً للعبور إلا في فترات محددة من السنة عندما يكون الجليد قد ذاب بما يكفي للسماح بالعبور دون الحاجة إلى كاسحات جليد.
قالت مجموعة بيئية كورية جنوبية تدعى مركز بيان لعلم المواطنين في البحار في بيان العام الماضي: "مع احترار القطب الشمالي بسرعة تفوق أربعة أضعاف المتوسط العالمي، شهد جليد البحر انخفاضاً حاداً، مما جعل الممر البحري الشمالي أكثر قابلية للعبور. إلا أن جعل المسار قابلاً للاستغلال تجارياً يتطلب احترار إضافياً، الأمر الذي يتعارض مع جهود مكافحة تغيّر المناخ".
فاقم النزاع الخليجي الوضع تدهوراً. يشن الحوثيون في عمّان هجمات على السفن العابرة لمضيق باب المندب المؤدي إلى قناة السويس. اضطر عدد من المشغلين إلى تجنب هذا الممر وإرسال سفنهم بدلاً من ذلك حول رأس الرجاء الصالح بجنوب إفريقيا، الأمر الذي يطيل الرحلة بشكل كبير بين آسيا وأوروبا ويرفع تكاليف الوقود والانبعاثات الضارة.
بالمقابل، يمكن للممر البحري الشمالي أن يقلل المسافة بنسبة 30 إلى 40 بالمائة مقارنة بقناة السويس، وبنسبة تقارب النصف مقارنة بالطريق حول رأس الرجاء الصالح، وفقاً لما قالته شركة كوفاس للتأمين الائتماني في أبريل الماضي.
لكن تلك الأرقام الواعدة على الورق تتجاهل عقبات جسيمة. قال بول تورت، مدير معهد الدراسات البحرية العليا في سان ناز بفرنسا: "يقتصر الممر القطبي على موسم واحد فقط، من أغسطس إلى أكتوبر". وأضاف في حديث مع وكالة الصحافة الفرنسية: "وتحتاج إلى سفن مصنفة للجليد، وهذا أكثر تكلفة".
هذا يستبعد سفن سوبراماكس وناقلات حاويات ضخمة أخرى التي تشكل نسبة كبيرة من حركة النقل العالمية، لأنها تقدم أسعاراً تنافسية جداً.
على النقيض، تبلغ قدرة السفينة الصينية "دبي تاور" التي انطلقت من نينغبو في رحلتها إلى أوروبا عبر الممر البحري الشمالي هذا الشهر، حسب قول جيروم دو ريكلز، متخصص في نقل الشحنات البحرية بشركة أبلاي الفرنسية، عُشر حجم السفن الكبيرة الأخرى.
🔗 شارك المقال
الوسوم:#القطب الشمالي#الملاحة البحرية#كوريا الجنوبية#الشرق الأوسط#العقوبات على روسيا#تغيّر المناخ