حين زارت دانييل بينسكي «غرفة القراءة التذكارية لدونالد ج. ترامب وجيفري إبستين» للمرة الأولى، لم تكن تعرف ما الذي ينتظرها.
وقالت بينسكي عن الغرفة، وهي معرض متنقل لملفات التحقيق في قضية إبستين أُقيمت نسخته الأولى في أحد صالات العرض بمدينة نيويورك في مايو الماضي: «تساءلت: ماذا لو دخلت ووجدت أسماء الناجيات معلّقة في كل مكان؟ خشيت في البداية أن يكون ذلك نوعاً من استغلال الناجيات».
وأضافت: «لكن العرض جاء في النهاية بديع الإخراج».
ويهدف المعرض إلى لفت الانتباه إلى جرائم إبستين، وإلى تقاعس أجهزة إنفاذ القانون عن التحرك طوال عقود. وكان إبستين، المموّل السابق الذي ضمّت دائرة معارفه عدداً من الرجال البارزين، قد اعتُقل عام 2019 بتهمة الاعتداء الجنسي على فتيات قاصرات، لكنه أنهى حياته في السجن.
وأُوقفت غيسلين ماكسويل وأُدينت باستدراج فتيات قاصرات إلى دائرة إبستين. غير أن الوثائق تكشف أن مسؤولي إنفاذ القانون كانوا على علم تام بجرائمهما قبل ذلك بعقود. وتطالب الناجيات بمزيد من الشفافية، وبملاحقة قضائية لأي شخص آخر شارك في الاعتداء عليهن جنسياً.
ولم تكن بينسكي تعلم كذلك ما الذي سيحدث حين طرح ديفيد غاريت، مؤسس «معهد الحقائق الأولية» الجهة المنظِّمة للحدث، فكرة جعل المعرض أكثر تفاعلية. فقد كانت في الغرفة الأخيرة لوحة من الفلين، وأبلغ غاريت بينسكي أنه سيُبقيها حين يُفتح المعرض أمام الجمهور ليترك الزوار ملاحظاتهم عليها.
وقالت بينسكي، وهي من الناجيات اللواتي يطالبن بالمساءلة والعدالة: «قلت له: يا لها من فكرة رائعة! سيكون من الجميل أن نرى ذلك».
وبعد نحو أسبوع من الافتتاح الرسمي، عادت بينسكي إلى المعرض فرأت «ما لا يقل عن ست أو سبع لوحات فلين مكتظة بالرسائل حتى فاضت». بعض الرسائل تحمل رسومات، وبعضها يفيض بحزن عميق، و«بعضها كان غضباً خالصاً».
وقالت: «أحياناً تكون الرسالة موجّهة إلى إحدى الناجيات مباشرة، وأحياناً يكتبها صاحبها لنفسه، وهكذا شارك الجميع. حتى أفراد من عائلات الناجيات تركوا رسائل. كان ذلك مشهداً جميلاً حقاً من مشاهد ديمقراطيتنا».
وأكدت بينسكي أن هذه الرسائل منحتها الأمل بعد سنوات من إخفاقات المؤسسات.
وقالت: «أن يراك الناس في هذه المسيرة أمر لافت فعلاً». وقد كتب الزوار عبارات مثل «نحن معكنّ، نقف إلى جانبكنّ، ونصدّقكنّ»، وهو ما رأت فيه بينسكي «تعاطفاً جميلاً حقاً تحمله كل رسالة».
وأضافت: «مرت أيام شعرت فيها بأنني عاجزة عن فعل الكثير، وبأن قواي منهكة. فالعمل في غرفة القراءة قد يكون مرهقاً حين تعيشين صدمتك طوال اليوم وتلتقين أنواعاً شتى من الناس.
لكن كثيرات منا يدخلن الغرفة ويجلسن بين الرسائل ويقرأنها، ثم نقول لأنفسنا: يا للروعة، أن يراك هذا العدد من الناس ويصدّقك بعد كل هذه السنين!».
وعبّرت ليز شتاين، وهي إحدى الناجيات، عن مشاعر مماثلة حيال قوة هذه الرسائل.
وقالت شتاين: «بدأ الأمر بلوحة واحدة، ولن أنسى يوم رأيت تلك اللوحة الأولى وشعرت بأن الناس يتفاعلون معها فعلاً». وحين انتهى المعرض الأول، كانت الرسائل «تشغل القسم الأكبر من الطابق السفلي للمعرض».
وأضافت: «الحب الذي يظهره الناس لنا غامر. ففي كل مرة نقيم فيها فعالية مع غرفة القراءة، يعانقنا الزوار ويخبروننا بما نعنيه لهم، وكثيراً ما يقولون: لكن هذا لا يهم، فأنا مجرد شخص لا تعرفينه، قادم من مكان لا تقيمين فيه».
وتابعت: «ونحن نقول: قد لا نعرف أسماءكم، لكننا نشعر بالحب».
وقالت: «هذا الجدار المغطى ببطاقات الرسائل تجسيد بصري ملموس لحجم الدعم الذي نحظى به، وهو يمدّنا بقوة لا أظن أن الناس يدركون مداها».
وقال غاريت إن فكرة تخصيص مساحة للرسائل جاءت في اللحظة الأخيرة. فقد توقّع أن يمرّ الزوار بمشاعر عميقة أمام المعرض، وأن يحتاجوا إلى الدعم.
فعلّق المنظمون لوحة فلين تضم معلومات عن الخط الوطني الساخن للوقاية من الانتحار، وعن مصادر مساعدة لمن يتعرضون للعنف القائم على النوع الاجتماعي. ودون تفكير كثير، قرر غاريت ترك بعض البطاقات والأقلام الإضافية.
وقال لصحيفة «الغارديان»: «وضعناها وقلنا: إن أردتم كتابة رسالة إلى الناجيات فبإمكانكم ذلك. لم نتوقع أن نحتاج إلى أكثر من لوحة الفلين تلك التي لا يتجاوز حجمها قدمين في ثلاث».
وأضاف: «بنهاية اليوم الأول، لم تمتلئ اللوحة فحسب، بل صارت الرسائل ملصقة حولها أيضاً». وبعد يوم واحد فقط، ترك الزوار نحو 300 بطاقة.
وخلال الأيام العشرة التالية، كان المنتج يشتري كل يوم لوحات فلين جديدة. وبلغ عددها 30 لوحة حين انتهى المعرض الأول. وقال: «كل سطح في ذلك القبو كان مغطى بلوحات الفلين والبطاقات».
وبلغ عدد محطات غرفة القراءة سبعاً: نيويورك، وواشنطن، وديموين في آيوا، وكولومبوس في أوهايو، وديترويت في ميشيغان، ودالاس في تكساس، وفورت لودرديل في فلوريدا. كما رافقتها مكتبة متنقلة توقفت في نحو 24 محطة. وبحسب غاريت، ترك الزوار في المجمل قرابة 12.5 ألف أو 13 ألف رسالة.
وانطلقت غرفة القراءة قبل أشهر من انتخابات التجديد النصفي المحتدمة، التي أنزلت بالجمهوريين ضربات متعددة عزاها بعض المعلقين إلى رفض الناخبين لترامب. ومنذ توليه منصبه، يثقل تعامل إدارته مع الملفات كاهل الرئيس والجمهوريين من أنصار حركة «ماغا».
ورفض البيت الأبيض الانتقادات الموجهة إلى تعامل ترامب مع الملفات.
وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض لورين بيس: «كما قال الرئيس ترامب، فقد جرت تبرئته تماماً من كل ما يتعلق بإبستين».
وأضافت: «فمن خلال نشر آلاف الصفحات من الوثائق، والتعاون مع طلب الاستدعاء الصادر عن لجنة الرقابة في مجلس النواب، وتوقيع قانون الشفافية في ملفات إبستين، والدعوة إلى مزيد من التحقيقات بشأن أصدقاء إبستين الديمقراطيين، قدّم الرئيس ترامب لضحايا إبستين أكثر مما قدّمه أي شخص قبله».
وردّت وزارة العدل في إدارة ترامب على الانتقادات الموجهة إلى تعاملها مع هذه الملفات، وأدانت غرفة القراءة.
وقال متحدث باسم الوزارة في بيان: «هذه الجولة الزائفة تنتقل إلى مناطق تتنافس فيها الأحزاب سياسياً، وتستخدم الضحايا بشكل مخزٍ ورقةً سياسية».
وأضاف: «حيلة جمع التبرعات التي تلجأ إليها هذه المنظمة غير الربحية، والتي كثيراً ما تستضيف مرشحين للمناصب، عار. فلولا وزارة العدل هذه لما حصلوا أصلاً على تلك الملفات، التي نُشرت امتثالاً لقانون الشفافية في ملفات إبستين، في ظل أكثر الإدارات شفافية حتى اليوم».
وقالت شتاين إن كلمات الداعمين، سواء وجهاً لوجه أو في الرسائل المكتوبة، منحتها دافعاً لمواصلة السعي إلى العدالة رغم العقبات المؤسسية.
ومن رسائلها المفضلة لدى شتاين: «شجاعتكِ أعلى صوتاً ممن حاولوا إسكاتكِ». وتذكّرت رسالة أخرى جاء فيها: «كان يمكن أن تكون إحدى هؤلاء الفتيات أنا أو إحدى صديقاتي».
وعن رسالة أخرى لا تُنسى، قالت شتاين: «لا ينبغي أن يحدد المال والنفوذ مسار العدالة».
واستذكرت بينسكي أيضاً رسالة بالغة التأثير.
وقالت: «كانت هناك رسالة بسيطة جداً. أظن أنها كانت تقول حرفياً: لم يكن ذنبكِ».
«نشعر بالحب»: رسائل الدعم تغمر ناجيات إبستين في معرض فني
تلقّت ناجيات من جرائم جيفري إبستين آلاف الرسائل الداعمة من زوار «غرفة القراءة التذكارية» المتنقلة، وهي معرض يعرض ملفات التحقيق في القضية ويسلّط الضوء على تقاعس السلطات عقوداً. وبينما ترى الناجيات في هذه الرسائل دافعاً لمواصلة المطالبة بالعدالة، اتهمت وزارة العدل الأمريكية المنظمين باستغلال الضحايا لأغراض سياسية.
ترجمة وتحرير كروس لاينز

شارك المقال
#إبستين#ناجيات#غرفة القراءة#وزارة العدل#ترامب#الولايات المتحدة
المصدر الأصلي: The Guardian US


