إسرائيل اتهمت أعداءها بالجنون.. والآن العلامات تنطبق عليها
The Intercept
T
The Intercept
المصدر الأصلي
يعود الأكاديميون الإسرائيليون إلى نظرية الدول "المجنونة" لتبرير الحروب، لكن معايير تلك النظرية ذاتها تنطبق الآن على إسرائيل نفسها أكثر من أعدائها. يُثير هذا التناقض تساؤلات حادة حول عقلانية السياسة الإسرائيلية والدعم الأمريكي اللامشروط لها.
في يوليو 2020، أجرى يهوشع بن، رئيس تحرير جريدة هآرتس الإسرائيلية، حواراً مع يهزقئيل درور، أستاذ جامعي متقاعد يبلغ من العمر 92 سنة، وصفه بأنه "عميد خبراء السياسات العامة في إسرائيل". اتخذ درور نفسه نموذجاً عن هيرمان خان، المفكر الاستراتيجي الأمريكي الذي اشتهر بـ "التفكير في غير المفكر فيه" — كيفية خوض حرب نووية شاملة.
في عام 2005، حصل درور على جائزة إسرائيل لأعماله في التخطيط السياسي والفكر الاستراتيجي. وحين سأله بن عن آراؤه، تحدث درور بلسان عالم مستقبليات يملك معرفة بما سيأتي، مستمداً من التفكير العقلاني والقاسي حول عالم معقد جداً بحيث لا يستطيع فهمه سوى نخبة من العباقرة. امتدح درور القادة الإسرائيليين لطردهم أكبر عدد من الفلسطينيين عام 1948، وأيّد خطته للهجوم على إيران، وأثنى على خطة ترامب للسلام الإسرائيلي الفلسطيني عام 2020 المسماة "صفقة القرن". كما دعا إلى حكومة عالمية يديرها فلاسفة حكماء عصريون، وفي كتابه 2020 "توجيه التطور البشري"، دعا لتوطين ألف زوج خصب على المريخ لضمان عدم انقراض الجنس البشري.
أوضح درور التوتر في تفكيره بين العالمية العقلانية والالتزام القبلي تجاه مجموعته الخاصة، اليهود. مستشهداً بالصهيونية باعتبارها "معنى حياته الأساسي"، شدد على مساهمته في "ثورة شاملة في تاريخ الشعب اليهودي، على الطريق من الهولوكوست إلى النهضة". يتضح الأولوية الواضحة لهذا الالتزام الأخير في كتابه "الدول المجنونة: مشكلة إستراتيجية غير تقليدية"، الصادر عام 1971.
كان موضوع "الجنون" كوصف للدول موضوعاً مألوفاً في الستينيات عند الحديث عن الردع النووي. استكشف الأكاديميان توماس شيلينغ وهيرمان خان كيف يمكن لدولة ذات سمعة بالجنون أن تزيد من مصداقية تهديدات غير مقنعة بخلاف ذلك.
اختلف نهج درور عن هذا. تخيّل درور كيفية تصرف الدول ذات الأسلحة الحديثة القوية بطرق متناقضة جذرياً مع الأعراف المقبولة أو الحسابات المتوقعة. ستحتاج الدول العادية إلى التصرف بشكل مختلف تجاه الخصوم المصنفة بأنهم "مجانين" بتحويل الاستراتيجيات من الردع والدفاع عن النفس إلى التدمير والهجوم الاستباقي. النص الضمني غير المخفي للحجة كان وصم جميع أعداء إسرائيل بأنهم "مجانين"، مما يضع تبريراً لاستخدام أي وسيلة، بما فيها التخريب والحرب الوقائية وحتى الإبادة، ضدهم.
تابع درور بوضع المعايير لتصنيف الدول — أعداء إسرائيل — بأنهم "مجانين". لكن بعد خمسين سنة، فإن وصف درور للجنون والعلامات التحذيرية التي اقترح البحث عنها ينطبق الآن بشكل أكثر ملاءمة على إسرائيل نفسها بدلاً من أعدائها العرب.
**خصائص "الجنون"**
لم يحدد درور بدقة ما يقصده بـ "الجنون"، فضلاً عن تقديم قائمة بالسلوكيات والممارسات والمعتقدات المرتبطة برؤيته عن الجنون. كانت حالته النموذجية، التي استخدمها بشكل متكرر لتوضيح حجته، هي ألمانيا النازية. بدأ درور كتابه بتقديم الرايخ الثالث للقراء المتشككين "كمثال بارز وجذري على احتمال وجود دول مجنونة وانعكاساتها على النظام الدولي وأمن الدول المختلفة". دراسة الحالة هذه أوضحت أيضاً أن الحركات غير الحكومية أو المنظمات، مثل الحزب الاشتراكي الوطني لهتلر، يمكن اعتبارها مجنونة مثل الدول نفسها. هذا بررّ إدراج درور لمختلف الحركات الفلسطينية والمجموعات المرتبطة بمنظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها "مجنونة" حتى لو لم تكن دولاً.
في نهاية عام 1973، أصدرت دار نشر عسكرية إسرائيلية نسخة عبرية من كتاب درور مع فصل جديد، "مسألة الدول 'المجنونة' والدولة الإسرائيلية". كتب ضد خلفية حرب أكتوبر 1973 العربية الإسرائيلية، المعروفة في إسرائيل بحرب يوم الغفران، وصف درور عملياً جميع الدول والحركات العربية، سواء كانت إسلامية أو فلسطينية، بأنها إما مجنونة أو مجنونة جزئياً أو معرضة لأن تصبح مجنونة. وفقاً لدرور، كان الغرض من هذا الفصل — الذي لم يظهر قط باللغة الإنجليزية — هو تشكيل العقيدة العسكرية الإسرائيلية والاستراتيجيات للتعامل مع جنون أعدائها واحتمالية "الجنون الشديد" منهم.
شدد درور على أن نوع الجنون الذي كان يقصده — خطير جداً على المجتمع العالمي بحيث لا ينبغي استبعاد أي إجراء للتعطيل أو التدمير — يتطلب القدرة على التفكير الواضح والتخطيط المنهجي والتصرف الفعال. بفعله هذا، كان يميز بعناية بين اللاعقلانية والجنون. لكي يتم تصنيف دولة أو حركة بأنها مجنونة، يجب أن تمتلك ليس فقط الوسائل لفرض قوتها بتأثير مدمر؛ بل يجب أن تُظهر أيضاً قدرة على التصرف المحسوب بحيث تستطيع التعلم من الأخطاء وابتكار تقنيات أفضل وأكثر نجاحاً لتحقيق أهدافها المجنونة.
**معايير واضحة**
ظهرت قائمة مفيدة بالميزات التي حددها درور للتعرف على دولة مجنونة في مراجعة إيجابية لكتابه: السعي العدواني نحو أهداف بعيدة المدى تضر بالآخرين؛ والالتزامات الجذرية والحادة لتحقيق تلك الأهداف؛ واتخاذ موقف متفوق أخلاقياً حتى مع تناقض صارخ مع القواعد الدولية، سواء الأخلاقية أو القانونية.
باستخدام هذه المعايير — الأهداف والوسائل والموقف العام — يمكننا أن نسأل هل إسرائيل نفسها مجنونة. إذا كانت كذلك، فلكي يكون اللوبي الإسرائيلي ناجحاً، يجب أن تكون السياسات الأمريكية تجاه إسرائيل والشرق الأوسط نفسها مجنونة وبالتالي خطيرة على المصالح الأمريكية وعلى العالم.
**انحدار نحو اليمين**
تدور السياسة الإسرائيلية حول نظامها الحزبي. شهد هذا النظام تحولين أساسيين: من هيمنة حزب واحد إلى منافسة متساوية بين حزبين، ثم عودة للهيمنة من قِبَل الحزب الذي كان المعارضة سابقاً. لمدة ثلاثة عقود تقريباً، هيمنت الحزب العمالي على السياسة الإسرائيلية، لكن في أواخر الثمانينيات بدأ اليمين الإسرائيلي يشكل تحدياً متزايداً.
🔗 شارك المقال
الوسوم:#إسرائيل#السياسة الإسرائيلية#العلاقات الأمريكية الإسرائيلية#الشرق الأوسط#نظرية الدول المجنونة#الاستراتيجية العسكرية