مع اشتعال حرائق تاريخية في أوروبا، يؤكد الخبراء أن التعامل معها يتطلب تعبئة اقتصادية وسياسية بحجم حرب عالمية. الحكومات تسعى اليوم للدفاع عن النيران بعدما فشلت في منع اشتعالها، بينما الحل الحقيقي يكمن في التخلي النهائي عن الوقود الأحفوري.
مع اشتعال حرائق تاريخية في فرنسا وإسبانيا، تكثر المقارنات بالحرب العالمية الثانية. تصف وكالة أسوشيتد برس الجهود الجارية بأنها "من أكبر عمليات الإجلاء على القارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية"، فيما أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن هذه الأزمة تمثل "الموقف الأصعب الذي تواجهه فرنسا منذ الحرب العالمية الثانية".
الصور التي تملأ شاشاتنا جميعاً تحمل بالفعل طابعاً حربياً: طائرات الإنقاذ والدخان الأسود يملآن السماوات، مدنيون في حالة استنفار يبحثون عن ملاذ آمن، بلدات تاريخية مدمرة، غابات محترقة وسيارات مفحومة، وفريق طوارئ منهك متسوح العرق.
بيد أن هذه الحرائق المريعة لا تقتصر على فرنسا وإسبانيا. إنها تجتاح معظم أنحاء أوروبا. عانت أستراليا من ارتفاع درجات الحرارة والحرائق المدمرة سنوات عديدة؛ خلال حرائق أوائل 2020 اضطرت الحكومة الأسترالية لنشر أضخم عدد من الأصول العسكرية منذ الحرب العالمية الثانية. فقدت الولايات المتحدة بلدات بأكملها لهذه الحرائق المدفوعة بالتغير المناخي. البرازيل واليونان والبرتغال وتشيلي وروسيا وتركيا وإندونيسيا جميعاً تعرف الرعب والخسائر في عالمنا الجديد الملتهب. وفي بلدي، تشتعل حالياً ما يقارب ألف حريق في جميع أنحاء كندا.
في أوروبا، اعتنى عدد من الزعماء، بينهم ماكرون ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، بربط هذه الحرائق بأزمة المناخ؛ أما في كندا والولايات المتحدة فهذا الربط أقل شيوعاً بكثير. وأندر من ذلك حتى أن يصل الزعماء ووسائل الإعلام إلى مصدرها الحقيقي: استمرارنا في احتراق النفط والغاز والفحم (باستثناء غارديان وقلة آخرين ممن يشيرون لهذه الحقيقة بوضوح).
مع ذلك، لا تدع هذه الأحداث الحادة أي مجال للشك: أزمة المناخ هنا الآن. التأثيرات التي حذّر منها علماء المناخ سنوات طويلة بدأت تحدث على أرض الواقع.
مقاطعة بريتيش كولومبيا حيث أسكن، بدت تخوض هذا الابتلاء كل صيف الآن. منذ سنوات قليلة، أتذكر وصولي إلى منزل عطلة زارته عائلتي عشرات المرات من قبل، فاجأتني مشاهد لم نشهدها قط. كانت السلطات المحلية قد أصدرت تحذيرات إجلاء للسكان في المنطقة.
طوال فترة الظهيرة، كانت أسطول مؤلف من أربع طائرات مائية عملاقة تنزل بانخفاض شديد فوق المنطقة السكنية وتملأ خزاناتها من البحيرة التي تقع أمام منزلنا مباشرة، ثم تحلق بسرعة عائدة للحريق الذي يشتعل على السفح الجبلي خلفنا لإفراغ حمولتها. وحتى غروب الشمس، كانت أربع طائرات عمودية تحوم حول البحيرة على فترات خمس دقائق متكررة، تنزل دلاء ضخمة معلقة بأحبال طويلة لملء المياه، ثم تسارع للعودة إلى الجبل لإطلاق حمولتها. استمر هذا طوال الأسبوع. الضجيج كان مسموعاً بشكل مرعب.
تحول وقتنا العائلي الهادئ فجأة إلى مشهد من فيلم "القوة الخاصة" لفرانسيس فورد كوبولا، ونحن ملتصقون معاً نصرخ ليسمع بعضنا البعض. ومع حلول الظلام، تحاشد الشعلات خلفنا على المنحدرات، والسماء اتخذت توهجاً أحمر يبعث على القلق.
هذا ما يسميه الناس الآن بقلق "الواقع الجديد"، رغم أنه في الحقيقة ليس طبيعياً بل هو مجرد تذوق لما سيأتي. أحداث الطقس الشديدة التي نشهدها بتزايد مستمر—والحالة التي تشبه الحرب التي تخلقها—تمثل اعتداءات على أراضينا. إنها دعوة للتعبئة.
للأسف، الاستجابات على مستوى الطوارئ التي رأيناها حتى الآن كانت دفاعية بحتة، عمليات انسحاب تكتيكية. حكوماتنا لم تقتنع بعد باعتماد استجابة بحجم عسكري يعالج أزمة المناخ بشكل استباقي. تحت إلحاح اللحظة الحالية تكمن مفارقة محيّرة: نعبئ أنفسنا لإطفاء الحرائق، لكن لا نفعل ما يكفي لمنع اشتعالها.
بالتأكيد، في كل مرة تقع أحداث كهذه، يعبر الجميع عن آرائهم حول ضرورة تحسين استعدادنا لمواجهة الحرائق، وجعل مجتمعاتنا وغاباتنا أكثر مرونة، والتكيف مع هذا الواقع الجديد. كل ذلك صحيح.
لكن من الملحوظ غياب قضية أساسية من النقاش العام: مالم نعبئ جهودنا الكاملة للتسريع بشكل درامي للتحول بعيداً عن الوقود الأحفوري، فلن نسبق الأحداث أبداً. لا حجم من الاستعداد والتخطيط للحرائق سينقذنا من تصعيد أفزاع ما نعيشه الآن.
إن كانت الأزمة أمامنا فعلاً تشابه الحرب—وهذا صحيح، فهي تهديد وجودي لأحبائنا والأماكن التي نعتز بها—فيجب أن نتبنى حقاً نهجاً بحجم حرب، عقلية جديدة لتعبئة المجتمع بأكمله، وتنشيط حياتنا السياسية، وإعادة صياغة اقتصادنا جذرياً، وإنهاء اعتمادنا على الوقود الأحفوري.
الخبر السار: تجربة الحرب العالمية الثانية التي عاشتها دول كثيرة يمكن احتضانها كقصة درس قيمة، تذكير مفيد وفعلاً واعداً بأننا فعلنا هذا من قبل. شنينا جهداً موحداً عبر المجتمع بأكمله لمواجهة تهديد حضاري. وعندما فعلنا ذلك، أعدنا تجهيز اقتصادنا بالكامل في غضون بضع سنوات قليلة.
كيف يعرف المرء أن الحكومة في حالة طوارئ فعلية؟ من خلال دراستي للتعبئات السابقة، للعمل الطوارئي الحقيقي علامات متميزة واضحة. الحكومات في حالة طوارئ حقيقية:
تقول الحقيقة حول خطورة الأزمة وتوصل إحساساً بالاستعجالية بخصوص الإجراءات الضرورية لمواجهتها.
تنفق ما يلزم للفوز.
تنشئ مؤسسات اقتصادية جديدة (مشاريع حكومية وبرامج عامة) لإنجاز المهمة.
تنتقل من السياسات الطوعية والحوافز إلى الإجراءات الإلزامية.
تلتزم بعدم ترك أحد خلفهم.
لا توجد أي من حكوماتنا تعامل أزمة المناخ بهذه الطريقة حتى الآن. لكن هذا الوقت سيأتي.
تبدأ كل الطوارئ بفترة من الإنكار، أو بمرحلة "حرب وهمية" من الانخراط المتردد (هل تبدو لك مألوفة؟). ولكن حينها يحدث نوع من الكيمياء. يأتي مزيج من الأحداث (وتلك هي بالضبط ما تمثله حرائق الطقس الشديد) والقيادة معاً لتحويل روح العصر وتدفعنا للدخول إلى حالة طوارئ حقيقية.
نحتاج إلى عقلية "حربية" وأجندة سياسية وسياسات قوية للتعامل مع أزمة المناخ.