ليلة الانتخابات، وقفتُ بين الحشود في «هارلم تافرن»، وهو مطعم في مدينة نيويورك، خلال الحفل الانتخابي لداريالِيزا أفيلا شوفالييه، عضوة منظمة «الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا» والنائبة المنتخبة عن الدائرة الثالثة عشرة في نيويورك. وهتف الحشد مع توالي نتائج ما سُمّي «التسونامي الأزرق»: آيوا تحوّلت إلى الأزرق، وكذلك كانساس، ثم جاء فوز تالاريكو في تكساس وعبد السيد في ميشيغان، وصبّت سباقات مجلس النواب ومجلس الشيوخ ومناصب الحكّام بغالبيتها الساحقة في مصلحة الحزب الديمقراطي.
كانت هذه الانتصارات رفضاً واضحاً لسياسات ترامب، لكنها كانت أيضاً استفتاءً على وسطية الحزب الديمقراطي نفسه، وهي وسطية متواطئة في عنف رجال ملثمين يطاردون المهاجرين، وفي تمويل إبادة جماعية، وفي حرمان مواطني أغنى دولة في العالم من الرعاية الصحية.
الثبات لا يصنع التغيير. فالحزب الديمقراطي الذي تمسّك بـ«الوسطية» هو الذي خسر مجلس النواب عام 2022، والوعد بالإبقاء على الوضع القائم لم يوصل كامالا هاريس إلى الرئاسة عام 2024. وبينما يشير البعض إلى انتصارات وسطية ضمن هذه الموجة الزرقاء، فإن اللافت حقاً هو أن السياسة الديمقراطية انحازت خلال العامين الماضيين نحو التقدميين والاشتراكيين، في حملات يحرّكها الناس بتبرعاتهم الصغيرة لا الشركات الكبرى بأموالها.
لنأخذ مثلاً فوز ثمانية اشتراكيين ديمقراطيين يحملون عضوية المنظمة رسمياً، وهم في طريقهم إلى مجلس النواب. وثلاثة منهم، هم أفيلا شوفالييه وميلات كيروس ودونافان ماكيني، أطاحوا بمرشحين من مؤسسة الحزب. وقد خاضت أفيلا شوفالييه، الناشطة السابقة في شؤون الهجرة والمشاركة في مخيم الطلاب، السباق لأن منافسها أدريانو إسباييات رفض لقاء عائلة محمود خليل حين اعتقلته وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، ورفض كذلك المطالبة بإلغاء الوكالة.
وقد سهّل فوزَهم فوزُ زهران ممداني بمنصب عمدة نيويورك العام الماضي. غير أن ما مهّد الطريق له ولهم، كما سبق أن ذكرت، هو الحراك المؤيد لفلسطين، الذي وضع أصحابه أجسادهم على المحك، وجعل معظم الديمقراطيين متعاطفين مع القضية الفلسطينية.
وقد أقرّت بهذا التحول «لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية» (أيباك) نفسها، حين أعلنت أنها لن تؤيد مرشحين بعد اليوم ولن تقدم تبرعات انتخابية، لأن أموالها باتت «سامّة» وتنبّه الناخبين الديمقراطيين إلى عدم دعم مرشحيهم.
والسيناتوران المنتخبان تروي جاكسون وعبد السيد، وهما تقدميان لكنهما ليسا عضوين في المنظمة، وصفا ما يجري في فلسطين بأنه «إبادة جماعية»، وفازا بهذا الموقف في سباقين محتدمين، الأول في ولاية مين والثاني في ميشيغان. أما جيمس تالاريكو في تكساس فقال: «الله يصرخ فينا جميعاً في غزة في هذه اللحظة».
وحدث الأمر نفسه مع حركات اجتماعية أخرى. فاليوم يؤيد 77% من الديمقراطيين، ونصف الأمريكيين عموماً، إلغاء وكالة الهجرة والجمارك، وهو موقف ظل غير شعبي إلى حد بعيد طوال العقدين الماضيين، رغم تنظيم الناشطين حملاتهم من أجله.
وخاض ديمقراطيون، ارتبطوا طويلاً بقطاع التكنولوجيا، حملاتهم الانتخابية ضد مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، بدفع من ناشطين شددوا على ما تسببه من دمار للبيئة وإضرار بإمدادات المياه، وعلى آثارها الاجتماعية في مجالات تمتد من تعلّم الطلاب إلى سرقة الملكية الفكرية وصناعة المواد الإباحية دون موافقة أصحابها.
لكن هذه القضايا، رغم أثرها في برامج المرشحين، جاءت في المرتبة الثانية بعد القضايا الاقتصادية عند معظم الناخبين. فقد أظهر استطلاع لمعهد «غالوب» قبيل الانتخابات أن الرعاية الصحية (68%) هي القضية الأولى التي يعدّها الناخبون الديمقراطيون المسجلون «بالغة الأهمية». وكشف استطلاع سابق لمؤسسة «يوغوف» عمّا يريدونه، إذ يؤيد 85% من الديمقراطيين برنامج «ميديكير للجميع»، وهي نسبة مذهلة.
وأظهر استطلاع «غالوب» نفسه أن الاقتصاد ليس وحده ما يشغل الناخبين الديمقراطيين عند التصويت، بل «توزيع الدخل والثروة» تحديداً (65%)، متقدماً على أسعار الوقود (53%). وبعبارة أخرى، لا يطلب الناس «القدرة على تحمّل التكاليف» فحسب، بل يريدونها عبر العدالة والبرامج الاجتماعية. أي عبر إعادة التوزيع، وهي سياسة اشتراكية.
إن الموجة الزرقاء تستحق الاحتفاء. فالحزب الديمقراطي جزء من نظام الحزبين، وهو البديل الوحيد المتاح حالياً أمام حزب جمهوري بلغ حدّاً لا يُصدَّق من القسوة، ويتوّج نفسه بتفوّق العرق الأبيض كما يتوّج الملك نفسه بتاج.
غير أن الحزب الديمقراطي نفسه جزء من الماكينة السياسية ذاتها التي موّلت وكالة الهجرة والجمارك إدارةً بعد إدارة، وموّلت الإبادة في غزة، ولم تنجح في ترسيخ الرعاية الصحية للجميع ولا في إلغاء ديون الطلاب. ولم يقدّم لنا هذا الحزب السياسات التقدمية والاشتراكية التي يتوق إليها الأمريكيون. وليس واضحاً، رغم ضغط الناخبين، أنه سيتصرف هذه المرة على نحو مختلف.
فحكيم جيفريز، الذي يسعى إلى رئاسة مجلس النواب، يرفض الالتزام بإجراء تصويت على إلغاء الوكالة، ويعارض برنامج «ميديكير للجميع». وقال إنه لن يحاسب ترامب على انتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة، وصوّر الأمر على أنه مسألة «تصفية حسابات» لا تحقيق للعدالة حيث غابت. أما تشاك شومر، الذي يتبنى مواقف مشابهة، فتحظى شعبيته بنسبة متدنية للغاية، ومع ذلك يعتزم الترشح لزعامة الأغلبية في مجلس الشيوخ. ويتساءل مسؤولون منتخبون عمّا إذا كان ينبغي لهذين الرجلين أن يشغلا هذين المنصبين.
لكن الاعتراض ينبغي أن ينبع منّا أيضاً، كما كان دائماً. علينا أن نطالب بوقف العنف السريع، المتمثل في الأسلحة النارية الموجّهة إلى جيراننا في شوارعنا، والقنابل المتساقطة من السماء، وكذلك العنف البطيء الذي يموت بسببه أناس لأنهم حُرموا من الرعاية الصحية أو قُطعت عنهم قسائم الغذاء.
علينا أن ننظّم صفوفنا ونحشد الناس لنطالب بالديمقراطية متعددة الأعراق التي وُعدنا بها، لا بساحة يزداد فيها الأثرياء ثراءً على حساب وقت الفقراء وكدّهم وأرواحهم.
ليست الوسطية من منحت الديمقراطيين الفوز
ترى الكاتبة أن «التسونامي الأزرق» في الانتخابات الأخيرة لم يكن انتصاراً للوسطية، بل نتيجة تحوّل الحزب الديمقراطي نحو التقدميين والاشتراكيين، بدفع من حركات اجتماعية وحملات تموَّل بتبرعات صغيرة. وتحذّر من أن قيادة الحزب ما زالت تقاوم مطالب قاعدته في إلغاء وكالة الهجرة والجمارك والتأمين الصحي الشامل، وتدعو إلى مواصلة الضغط الشعبي.
ترجمة وتحرير كروس لاينز

شارك المقال
#الحزب الديمقراطي#الانتخابات الأمريكية#الاشتراكيون الديمقراطيون#الوسطية#الرعاية الصحية#الهجرة
المصدر الأصلي: The Guardian US


