رغم تنافس واضح بين الرئيس لولا وتحدي المحافظين الاجتماعيين، يبقى النمو الاقتصادي المتراجع والفساد المستشري التهديدات الأساسية التي لن تحلها أي انتخابات. البرازيل عالقة في حلقة مفرغة من الأزمات والإصلاحات والارتداد السياسي.
في الرابع من أكتوبر المقبل، سيتوجه البرازيليون إلى صناديق الاقتراع في الجولة الأولى من انتخابات رئاسية يبرز فيها ثنائي واضح المعالم. الرئيس الحالي لويز إيناسيو لولا دا سيلفا يخوض الحملة على منصة تجمع بين الشعبوية الاقتصادية والليبرالية الاجتماعية والاستقرار السياسي، بينما يمثل منافسه في مجلس الشيوخ فلافيو بولسونارو امتداداً للحركة المحافظة اجتماعياً التي أطلقها والده الرئيس السابق جاير بولسونارو عام 2018، وهو الآن محكوم جنائياً.
لكن رغم هذا التباين الظاهري في الرؤى، يبدو أن كلا المرشحين غير قادرين على معالجة القضايا الأساسية التي تنخر في الاقتصاد البرازيلي: النمو الضعيف المزمن والفساد العميق المتجذر. تسريع النمو الاقتصادي يتطلب خفضاً هيكلياً في أسعار الفائدة، وهو ما يستوجب إصلاحات مالية عميقة. أما مكافحة الفساد والإفلات من العقاب فتقتضي إعادة نظر شاملة في نظام العدالة البرازيلي الذي ورثه البلد من فترة الحكم الاستبدادي.
العقدة الحقيقية ليست عدم القدرة على الإصلاح، بل عجز البرازيل عن تأسيس هذه الإصلاحات على نحو يجعلها دائمة ومستدامة. أقرت البرازيل تشريعات عديدة منذ عودتها للديمقراطية في الثمانينيات تهدف لمعالجة الركود الاقتصادي والفساد، لكن السياسيين في معظم الحالات سارعوا لتخفيف هذه الإصلاحات أو الرجوع فيها كلياً.
البرازيل محصورة في دوامة: أزمة ثم إصلاح ثم ارتداد. الخروج من هذه الحلقة ممكن، لكنه يتطلب تغلب البلد على تجزئتها السياسية الشديدة، التي تعيق قدرة الناخبين على ربط النتائج السياسية بالمسؤولين عنها.
تعاني البرازيل من مستويات عالية من الديون السيادية، تواجه تكاليف اقتراض باهظة من المُقرضين. هذه الأسعار المرتفعة تنتشر عبر النظام المالي برمته، ترفع تكاليف الاستثمار، مما يؤدي لتباطؤ النمو.
الركود القاسي الذي أعقب أزمة الديون السيادية لدول أمريكا اللاتينية في الثمانينيات يُذكّر بالخطر الذي تتعرض له البرازيل بسماحها بارتفاع مستويات الديون. رداً على تلك الأزمة، فرضت دول نظيرة مثل تشيلي وكولومبيا وبيرو قيوداً صارمة على العجز المالي. هذا الإجراء خفّض الضغوط التضخمية وقلّل مخاطر الاستثمار، مما أتاح تحقيق أسعار فائدة أقل على المستوى الهيكلي.
كانت استجابة البرازيل أقل عمقاً، مما دفعها لطلب المساعدة من صندوق النقد الدولي عامي 1998 و2002.
في أوائل العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، أدى العجز المالي المتسع والازدهار الائتماني الذي شجعته الحكومة إلى أزمة ديون ضخمة وإلى أسوأ كساد اقتصادي شهدته البرازيل منذ قرن. من رحم هذه الأزمة وُلدت عملية إصلاح نادرة الحدوث. وضع البرلمان البرازيلي حداً أقصى لنمو النفقات العامة بمعدل صفر بالمئة في القيمة الحقيقية، وحرّر سوق العمل المختلة وظيفياً بشكل عميق.
يُرجع الخبراء الفضل إلى هذه الإصلاحات، خاصة حد النفقات، في انخفاض أسعار الفائدة البرازيلية لمستويات قياسية، وفي إعادة إشعال الاستثمار الخاص، وفي رفع القدرة التوظيفية للاقتصاد بشكل دائم.
تولى جاير بولسونارو الحكم عام 2019 وحافظ في البداية على الزخم الإصلاحي. غير أنه مع اقتراب حملة إعادة انتخابه عام 2022، شرع في عام 2021 بتوسيع ضخم لبرنامج بولسا فاميليا، وهي البرنامج النقدي الحكومي للأسر ذات الدخل المنخفض.
البرنامج كان سياسة ناجحة في الأساس، لكن مضاعفة الموارد المخصصة له ثلاث مرات حوّلته إلى آلية شعبوية. سارع البرلمان للتخلي عن نهجه الإصلاحي والعودة للإنفاق غير المقيد. وفي الوقت ذاته، ألغت المحكمة العليا حكماً حاسماً في إصلاح سوق العمل، مما أضعف الآليات الردعية التي كانت تثني عن الدعاوى القضائية التعسفية.
تظهر حلقة الأزمة والإصلاح ذاتها في النضال المستمر والغالباً غير الناجح للبرازيل ضد الفساد. أبرز مثال على ذلك هو الانقطاع عن التحقيق في عملية لافا جاتو، العملية القضائية الضخمة التي بدت لسنوات أنها ستكون نقطة تحول في مكافحة الفساد قبل أن تتلاشى.