دولي🌐 Available in English٢٠ آب ٢٠٢٦

بعد غزة: هل يستطيع المسلمون الدفاع عن الأقصى؟

بعد غزة: هل يستطيع المسلمون الدفاع عن الأقصى؟
Middle East Eye
M
Middle East Eye
المصدر الأصلي

تحذيرات عقود من الزمن بشأن تآكل الوضع القائم حول المسجد الأقصى لم تعد مجرد تكهنات، بل أصبحت حقيقة واقعة مع انتقال النقاشات الإسرائيلية حول تغيير إدارته وتوسيع الوصول غير الإسلامي من الهامش إلى المركز. غير أن السؤال الملح الذي يطرحه واقع غزة المرعب هو: ماذا تعلم المسلمون من عجز العالم الإسلامي عن إيقاف الكارثة هناك؟

المسجد الأقصى في خطر.

لعقود من الزمن، تلقى المسلمون تحذيرات متكررة بأن الوضع القائم حول ثالث أقدس موقع في الإسلام يتحول إلى وضع هش وغير مستقر. والآن، بدت هذه التحذيرات أبعد ما تكون عن الطابع الافتراضي.

انتقلت النقاشات حول تعديل إدارة الموقع وتوسيع الوصول الديني لغير المسلمين، وفي النهاية تغيير طابعه، من الهوامش السياسية إلى صلب الخطاب العام الإسرائيلي. يخشى الكثيرون من المسلمين أن تكون هذه التطورات جزءاً من مشروع طويل الأجل لا يسعى فقط للإشراف على الأقصى، بل لتحويل ماهيته بشكل جذري. وبصرف النظر عما إذا كان يعتقد المرء بقرب هذه النتيجة أم بعدها، فإن المسار واضح بما يكفي ليطرح سؤالاً ملحاً: ماذا يستعد المجتمع المسلم العالمي للقيام به لمنع حدوثها؟

السؤال يكتسب إلحاحاً خاصاً بعد غزة. لقد شاهد المسلمون في أنحاء العالم على مدار ما يقارب ثلاث سنوات الشعب الفلسطيني يتحمل مستويات استثنائية من العنف والتهجير والحرمان والدمار.

شاهدوا الدور تتهاوى، والأحياء تُمحى من الخريطة، والعائلات تُستأصل، والسيادة السياسية تنهار تدريجياً. ومع ذلك، بالرغم من الغضب الواسع والاحتجاجات وأوجه التضامن، ظل التوازن السياسي للقوى دون تغيير جوهري.

لم تقتصر أهمية غزة على فلسطين وحدها. فقد أعادت الحرب معايرة حدود العنف المقبول في السياسة الدولية، وكشفت عن مدى المعاناة التي يمكن إلحاقها بسكان مسلمين دون أن تستثير استجابة حاسمة وموحدة من الأمة الإسلامية العالمية.

والإجابة، كما يبدو، مرعبة: معاناة هائلة جداً.

**الشلل العالمي**

يُروى أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم قال إن زمناً سيأتي تتجمع فيه الأمم على المسلمين، كما يتجمع الناس حول صحنهم. وعندما سُئل عن السبب، أجاب بأنه سيكون "حب الدنيا وكراهية الموت".

هذا الحديث يحمل ملاءمة صارخة. كيف يمكن للمسلمين أن يفهموا الشلل الذي ميز الكثير من الاستجابة العالمية لقضية فلسطين؟

لماذا توقفت التضامن كثيراً عند مستوى الشعور والغضب والإيماءات الرمزية؟ لماذا لم تثر معاناة الفلسطينيين ذلك النوع من الحشد السياسي المستدام الذي يبدو أن مقياس الكارثة يتطلبه؟

ربما تكمن الإجابة ليس في نقص الاهتمام، بل في الأولويات التي تحكم الحياة المعاصرة. هل امتصت وظائفنا وأعمالنا وطموحاتنا المهنية انتباهنا؟ أم كان ذلك تعلقنا بالراحة والروتين والاستقرار الشخصي؟ أم رغبتنا في تجنب الجدل والفحص والإزعاج، أو ربما خوفنا من العواقب القانونية والاستبعاد الاجتماعي والآثار المهنية والأضرار التي قد تلحق بسمعتنا؟

المجتمعات الحديثة توفر طرقاً لا تُحصى للبقاء مشغولاً: التزامات الدراسة والرهون العقارية وعضويات النوادي الرياضية والالتزامات العائلية والإجازات والعشاء بين الأصدقاء والمليارات من المشتتات الرقمية تستهلك أيامنا.

لا شيء من هذه الأشياء خاطئ في حد ذاته. ومع ذلك، يمكنها معاً أن تنمّي شكلاً من أشكال الخمول السياسي والأخلاقي؛ حالة يصبح فيها الراحة أكثر قيمة من التضحية، والأمن الشخصي أهم من التضامن الجماعي.

يمكن فهم تحذير النبي إذاً ليس فقط كتنبؤ بالضعف العسكري، بل كتشخيص للانحدار الروحي والسياسي. المجتمع المتعلق بإفراط بالأمن الدنيوي يصبح بشكل متزايد غير مستعد لتحمل تكاليف العدالة. وفي القيام بذلك، يجعل نفسه عرضة للخطر. أما الشعب الذي لا يرغب في المجازفة بالحرج من أجل الدفاع عن الآخرين، فسيكتشف في النهاية أن أمنه الشخصي أيضاً هش وضعيف.

**القوة الجماعية**

درس غزة لا يقتصر على ضعف الفلسطينيين. إنه يتعلق بحقيقة أن المسلمين في كل مكان شهدوا ضعف شعب كامل، لكنهم كافحوا لتحويل غضبهم الأخلاقي إلى قوة سياسية جماعية.

في هذا المعنى، كشفت غزة أكثر بكثير من القوة العسكرية الإسرائيلية. لقد كشفت الضعف الإسلامي.

هذا هو السبب الذي يجعل مستقبل المسجد الأقصى مهماً بهذه الدرجة الكبيرة. إذا لم تُحدث الدمار الذي يحدث في غزة استجابة قوية كافية، فماذا يجب أن يثق المسلمون في أنهم سيستجيبون بشكل مختلف عندما يتم الطعن في مكانة الأقصى؟

إذا كان يمكن تعريض الفلسطينيين لمثل هذا الدمار بينما يراقب العالم، فأي دروس قد يستخلصها الآخرون من تلك التجربة؟ هذه أسئلة محرجة، لكن يجب طرحها.

الخطر الذي يهدد الأقصى ليس خارجياً فقط. إنه داخلي أيضاً. يتعلق بحالة المجتمع الإسلامي نفسه: استعداده للتضحية والتنظيم والعمل.

يجب أن تفرض الأعوام الماضية محاسبة حقيقية، تجبر المسلمين على فحص ليس فقط ما تم فعله للفلسطينيين، بل ما فشلوا هم في فعله. يجب أن يدفع هذا إلى التفكير في الفرص الضائعة والمسؤوليات المهملة والتضحيات التي تم تجنبها.

غير أن التفكير وحده غير كافٍ. الندم قد يصبح شكلاً آخر من أشكال الخمول إذا لم يتحول إلى عمل. الغرض من النقد الذاتي ليس الاستنكار الذاتي، بل التجديد.

لا ينبغي أن يكون درس غزة اليأس، بل الإصرار. لا يستطيع المسلمون تغيير ما فشلوا في فعله أمس. يمكنهم فقط أن يقررا ما سيفعلونه غداً.

قد يصبح الأقصى الاختبار الأكبر التالي—اختبار تتوقف نتيجته ليس فقط على طموحات من يسعون لتحويله، بل على ما إذا كان المسلمون مستعدين للتغلب على عادات الراحة والخوف والخمول السياسي التي حددت الكثير من اللحظة الراهنة.

السؤال لم يعد ما إذا كان الأقصى في خطر. السؤال هو ما إذا تعلم المسلمون أي درس من غزة.

🔗 شارك المقال

الوسوم:#المسجد الأقصى#فلسطين#غزة#الأمة الإسلامية#التضامن الإسلامي#القضية الفلسطينية
المصدر: Middle East Eye

لفهم السياق

قراءات مرتبطة بنفس الملف أو آخر تطوراته