تستعرض المراجعة كتاب إدوارد تشيزهولم «جريمة في باريس 68» الذي يعيد سرد فضيحة مقتل ستيفان ماركوفيتش، أحد المقربين من النجم السينمائي آلان ديلون. ويرى الكاتب أن القضية تكشف ما هو أبعد من شخصيات الرواية، إذ تعكس طبيعة الشهرة والثروة في ستينيات القرن الماضي وإرث الحرب العالمية الثانية في فرنسا.
يفيد أن تتخيّل ما يُسمّى قضية ماركوفيتش كأنها آلة أكورديون. فالقصة في بدايتها أرفع ما تكون، صغيرة ومدمجة. ففي عام 1968 يُعثر بالصدفة على جثة في خندق، ويُفترض أنها جثة متشرد. ويُجرى لها تشريح عاجل وسطحي، إذ تبيّن أن جمجمته مهشّمة، وهو سبب وفاة واضح، ثم تُدفن.
ومع ذلك، يدرس القاضي المكلّف بالقضية تقرير التشريح، ويتساءل عمّا إذا كان وراء الأمر أكثر مما يبدو. فهل يُعقل أن يكون لمجرم عادي مغمور أظافر مهذبة بعناية؟ وتؤكد مطابقة بصمات الأصابع شكوكه، إذ تبيّن أن الجثة تعود إلى ستيفان ماركوفيتش، أحد المقربين من آلان ديلون. وهنا تبدأ رواية «جريمة في باريس 68» فعلاً.
«المقرّب» تعبير فضفاض، لكن كما يوضح المؤلف إدوارد تشيزهولم عبر نحو 400 صفحة، فالأفضل أن يكون المرء غامضاً من أن يكون مخطئاً. ويصعب وصف طبيعة العلاقة التي جمعت الرجلين. فماركوفيتش شاب من يوغوسلافيا دخل فرنسا بطريقة غير شرعية أملاً في حياة أفضل. أما ديلون فكان نجماً سينمائياً يُعدّ من أجمل رجال العالم. كانا يحب أحدهما الآخر ويكرهه في آن، فيتصرفان كصديقين حميمين، ثم يخونان أحدهما الآخر دون رحمة. وقبل وفاته، كتب ماركوفيتش إلى أخيه يقول إنه إذا أصابه أي مكروه، فإن ديلون سيكون «مسؤولاً بنسبة 10000%».
وتمحورت الفضيحة التي تلت مقتل ماركوفيتش حول هذه العلاقة الغامضة المعقدة. غير أن تشيزهولم يرى أنها تتجاوز ذلك بكثير. فالقضية تتعلق بطبيعة الشهرة والثروة في ستينيات القرن الماضي، وبالأثر الذي خلّفته الحرب العالمية الثانية في السياسة الفرنسية، وببلد يسعى بجهد يائس إلى المضي نحو المستقبل وهو مثقل بماضٍ ثقيل. صحيح أن الرجل يقع في محور القضية، لكن كما يقدّمها تشيزهولم، يستطيع القارئ أن يمسك بالأكورديون ويفرده على آخره ليكشف طياته العديدة.
صورة: آلان ديلون مع زوجته ناتالي وابنهما في موناكو عام 1965.
لكن القصة في الواقع تبدأ قبل ذلك بعقد. ففي عام 1955 غادر ديلون، وكان في التاسعة عشرة من عمره، الجيش بعد ثلاث سنوات. ولم يكن سجله العسكري نظيفاً بأي حال، إذ قضى نحو ثلث مدة خدمته في السجن، بتهم منها «قيادة مركبة دون ترخيص ساري المفعول، ما أدى إلى حادث خطير»، و«حيازة سلاح محظور»، و«إثارة فضيحة علنية أثناء وجوده على اليابسة»، وذلك من بين مخالفات أخرى. وخلص ملفه إلى أنه «عنصر سيئ من جميع النواحي».
وبعد أن عاد مدنياً، كانت أولى محطاته مدينة تولون في جنوب فرنسا. فقد توجّه إليها لزيارة معرفة قديمة، هو فرانسوا مارّكونتوني، زعيم عصابة كورسيكي ومقاوم سابق في المقاومة الفرنسية، كان، كحال كثيرين في تلك الفترة، يتنقل بلا هوادة بين عوالم متباينة.
ظلّت فرنسا في الخمسينيات والستينيات يطبعها في جوهرها أثر الحرب، أي الاحتلال النازي والمتعاونون معه في حكومة فيشي…
شارك المقال
الوسوم:#آلان ديلون#فرنسا#ستينيات القرن العشرين#جريمة قتل#الحرب العالمية الثانية#الشهرة