تستعرض ثلاثة كتب حديثة جذور القطيعة بين موسكو والغرب، من توسع حلف الناتو في التسعينيات إلى الحرب في أوكرانيا وشبكة التحالفات الروسية حول العالم. وتطرح المراجعة سؤالاً حول قدرة الغرب على التكيف مع عالم أكثر فوضى.
في مشهد شهير من مسلسل «فرقة الإخوة» (Band of Brothers)، الملحمة التي أنتجتها شبكة «إتش بي أو» عن فوج للمظليين الأمريكيين في الحرب العالمية الثانية، يستسلم جنرال نازي للقوات الأمريكية. فبدلاً من إذلاله، يسمح له الأمريكيون بإلقاء كلمة مؤثرة على جنوده بعد أن يُلقوا أسلحتهم، ويتأثر جنود المعسكرين تأثراً واضحاً.
ربما يكون هذا المشهد مبالغاً فيه، أو لا أساس تاريخياً له، لكنه يعكس شعوراً واسع الانتشار لدى الحلفاء عام 1945، لخّصه ونستون تشرشل بعبارة: «في النصر، السماحة». غير أن السماحة أصبحت أقل حضوراً بعد أكثر من أربعة عقود، مع سقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفيتي. فكم كانت الولايات المتحدة مستعدة لأن تقدم لروسيا في أعقاب الحرب الباردة، إن كانت مستعدة لتقديم شيء أصلاً؟
هذا السؤال هو محور كتابين: «الغطرسة: الجذور الأمريكية لحرب روسيا ضد أوكرانيا» للمؤرخ البريطاني جوناثان هاسلام، و«نقطة الغليان: كيف جلبت أمريكا الحرب إلى أوكرانيا» للصحفي ستيفن كينزر. ويتساءل المؤلفان إلى أي حد تمثل الحرب الروسية في أوكرانيا رداً على عقود من غطرسة واشنطن، التي تصرفت بزهو بوصفها القوة العظمى الوحيدة الباقية بين رماد الحرب الباردة.
ورغم إفراط الكتابين في تحميل واشنطن مسؤولية التحول العدائي في موقف موسكو، فإنهما يذكّران بالمسارات التي لم تُسلك في التسعينيات وأوائل الألفية الجديدة. فبدلاً من أن تُدخل الولايات المتحدة روسيا في النظام الليبرالي العالمي شريكاً حقيقياً، شجعت توسعاً سريعاً لحلف الناتو، وتعميماً للديمقراطية في شرق أوروبا ووسطها، وهو ما أثار استياء موسكو.
وإذا كانت تلك القرارات قد دفعت موسكو جزئياً نحو القطيعة مع الغرب، فإن كتاباً ثالثاً، هو «سنصمد أطول منهم: حملة بوتين العالمية لهزيمة الغرب» للباحثة في العلاقات الدولية هانا نوت، يوثّق ذروة الجهد الروسي. فمنذ الغزو الشامل لأوكرانيا عام 2022، وظّفت روسيا علاقاتها مع حلفاء في مختلف أنحاء العالم للتهرب من العقوبات والضغوط السياسية. وبعد أن ابتعدت عن الغرب، اتجهت روسيا نحو بقية العالم. والسؤال الآن هو: هل سيتمكن الغرب، الذي تعصف به فوضى أكبر بفعل النزعات المتقلبة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، من التكيف؟
---
في فبراير 1990، بعد وقت قصير من سقوط جدار برلين، التقى الزعيم السوفيتي ميخائيل غورباتشوف بدبلوماسيين غربيين لبحث مسألة إعادة توحيد ألمانيا. وفي عبارة باتت تطارد جانباً كبيراً من تاريخ ما بعد الحقبة السوفيتية، قال وزير الخارجية الأمريكي جيمس بيكر لغورباتشوف إن حلف الناتو لن يتحرك «بوصة واحدة» شرقاً إذا انسحب الاتحاد السوفيتي من ألمانيا الشرقية.
ورغم أن كثيراً من الحبر قد أُريق حول معنى تلك العبارة، وحول تفويض بيكر أصلاً لتقديم مثل هذه الضمانات، فإنها كانت تنذر بنمط سيلازم العلاقة بين واشنطن وموسكو ثلاثين عاماً. ففي كل مرحلة، كان توسع عضوية الحلف ومهامه، بناءً جزئياً على طلب دول وسط أوروبا وشرقها، و…
شارك المقال
الوسوم:#روسيا#الولايات المتحدة#حلف الناتو#الحرب الأوكرانية#الحرب الباردة#العلاقات الدولية