تناولت مقالة لكينيث م. بولاك، نائب الرئيس للسياسات في معهد الشرق الأوسط، التداعيات الفورية للحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران، مثل تصاعد دور المسيّرات والصواريخ وتهديد الممرات البحرية. وترى المقالة أن للصراع آثاراً أبعد أمداً قد تعيد تشكيل ركائز الجغرافيا السياسية الحديثة.
باتت كثير من التداعيات الفورية للحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران واضحة بالفعل. فقد لفت الانتباه الواسع، وهو مستحق تماماً، إلى بروز المسيّرات والصواريخ بوصفها أسلحة الحرب المهيمنة، وإلى الخطر الذي تشكله التهديدات للممرات البحرية الحيوية، مثل مضيق هرمز وباب المندب، على الاقتصاد العالمي، فضلاً عن قصور عمليات شراء الأسلحة الأمريكية وقضايا أخرى.
غير أن هذه التطورات، على أهميتها، قد تكون للصراع مع إيران تداعيات أوسع وأبعد أمداً، تغييرات يمكن أن تكون تحويلية حقاً للشرق الأوسط والعالم أجمع. وقد ننظر إلى هذا الصراع بعد عقود بوصفه حدثاً مفصلياً أعاد تشكيل ما كان يُعدّ ركائز راسخة للجغرافيا السياسية الحديثة.
ورغم أن الأفضل كان رصد نقاط التحول المحتملة هذه قبل الحرب، فقد يبقى هناك متسع من الوقت لاتخاذ إجراءات تهدف إلى توجيهها نحو وجهات مواتية. وكما هو الحال دائماً، فإن الشرط الأول هو إدراك التحولات الزلزالية المحتملة التي ربما بدأت بالفعل.
تحوّل دول الخليج العربي نحو الهجوم.. ومزيد من الحرب
لم يكن هناك نقص في التعليقات حول تقنيات القتال الجديدة التي برزت في حرب إيران، مع تركيز الولايات المتحدة إلى حد كبير على الأنظمة الدفاعية. فقد أبدى الأمريكيون إعجابهم بالأداء المتميز للصواريخ الاعتراضية الغربية، وفي الوقت نفسه أصابهم القلق إزاء تناقص مخزوناتها. غير أن دول الخليج العربي، وعلى الأرجح كثير من القوى المتوسطة والصغيرة المهددة الأخرى، استخلصت درساً آخر من هذا الصراع، مفاده أن أفضل دفاع هو الهجوم الجيد.
أبدت الصواريخ الاعتراضية الأمريكية والإسرائيلية والأوروبية والكورية الجنوبية أداءً لافتاً، إذ أسقطت الصواريخ الباليستية الإيرانية وصواريخ كروز والمسيّرات. ومع قدرة المقاتلات الغربية على إسقاط المسيّرات وصواريخ كروز، وعلى إخماد عمليات إطلاق الصواريخ الباليستية، تسببت إيران بأضرار لأهدافها أقل بكثير مما كان سيحدث لولا ذلك. وباختصار، أدّت الدفاعات الجوية والصاروخية أداءً ممتازاً حتى الآن، وهذا ليس بالأمر الهيّن.
غير أن المشكلة أن هذا الأداء لم يثبت أنه كافٍ بأي حال من الأحوال. فلأن المسيّرات وصواريخ كروز، بل والصواريخ الباليستية إلى حد كبير، أرخص بكثير وأسهل في الإنتاج والتخزين والإخفاء والإطلاق من معظم الصواريخ الاعتراضية التي تستخدمها الولايات المتحدة وحلفاؤها للتصدي لها، تمكنت إيران من مواصلة إنتاجها وإطلاقها نحو أهداف في الخليج والأردن وإسرائيل. ورغم أن الدفاعات تُسقط نحو 90 في المائة منها، فإن الـ10 في المائة التي تنجو تمثل عدداً مفرطاً بكل المقاييس.
ولا يتحمل المجتمع الإسرائيلي هذا القدر من الضرر إلا لأنه اعتاده، فبنيته التحتية محصّنة بما يكفي لتتجاوز الضربات الإيرانية المضادة دون أن تثنيه عن أهدافه. وعلى النقيض تماماً، أحدث المستوى نفسه من الضرر نتائج كارثية في دول الخليج العربي. فشركات الطاقة وشركات الشحن وشركات التأمين كلها تتردد في مزاولة أعمالها في ظل الخطر المتبقي من الهجمات الإيرانية المتواصلة، حتى إذا أُحبط أكثر من 90 في المائة منها. وقد ألحقت الـ10 في المائة التي نجحت في الوصول أضراراً مادية كبيرة، وأضراراً نفسية أكبر بكثير، وشككت في جدوى النماذج الاجتماعية والاقتصادية القائمة والمخطط لها للمستقبل…