ذكاء بلا سيادة بين خوارزمية التشريع وعدالة الكونغرس .. من يملك سلطة القانون ؟
دعاء هزاع الجابري
بقلم — كاتب CROSS LINES
حين تكتب الآلة " القانون " لا يعود السؤال متعلقا بقدرتها على ترتيب الكلمات وصياغة الجمل بل بقدرتها على فهم الإنسان الذي ستحول منه تلك الكلمات إلى قواعد تحكم حياته ، ومن هنا تحديدا تبدأ الحكاية الجديدة في واشنطن ، فالذكاء الاصطناعي الذي دخل العالم أولا من أبواب التكنولوجيا والاقتصاد والإعلام ، بدأ اليوم يطرق الآن أبواب السلطة ذاتها حتى وصل إلى المكان الذي تُصاغ فيه القوانين التي تحدد شكل المجتمع ومستقبل الدولة ، حيث كشفت تقارير عن تزايد استخدام مكاتب في " الكونغرس الأمريكي " أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي للمساعدة في إعداد مشاريع ومقترحات تشريعية ، لكن النتيجة حملت معها مشكلة لم تكن في الحسبان في نصوص قانونية مليئة بالأخطاء والمصطلحات غير الدقيقة والإحالات الخاطئة ، حتى أصبح محامو مجلس النواب يواجهون عبئا متزايدا في مراجعتها وإعادة صياغتها ، وهنا تظهر المفارقة التي تتجاوز الخبر ذاته
فالكونغرس الذي يحاول أن يضع القواعد للذكاء الاصطناعي ، بدأ يواجه الذكاء الاصطناعي داخل عملية صناعة القواعد ذاتها ، فالآلة لم تعد تنتظر خارج أسوار المؤسسة التشريعية حتى يقرر المشرعون كيف ينظمونها ، فقد دخلت إلى الورشة التي تصنع فيها القوانين وبدأت تشارك ولو بصورة غير نهائية في صياغة النصوص التي ستحدد مستقبل علاقتها بالبشر ، الا أن القانون ليس مساحة مفتوحة للتجربة ، ففي الأدب يمكن أن تكون الكلمة استعارة ، وفي الصحافة يمكن تصحيح الخطأ في طبعة لاحقة ، وفي الحياة اليومية قد يمر سوء التعبير دون نتائج كبيرة ، أما القانون فالكلمة فيه تصبح " حقا أو حرمانا ، سلطة أو قيدا ، حماية أو عقوبة " ، ولذلك فإن الخطأ القانوني ليس مجرد خطأ في اللغة ، فقد تكون كلمة واحدة كافية لتغيير نطاق مادة كاملة ، وقد يؤدي تعريف غير دقيق إلى استبعاد فئة من الحماية القانونية ، وقد تقود إحالة خاطئة إلى قانون أو حكم قضائي إلى نزاع لا يظهر إلا بعد أن يصبح النص جزءا من النظام القانوني
وهنا تكمن إحدى أخطر مشكلات الذكاء الاصطناعي ، حيث أنه يستطيع أن ينتج الخطأ بلغة تبدو صحيحة ، فالآلة لا تقول للقارئ : أنا غير متأكدة ، فتقدم نصا مرتبا ومنطقيا في ظاهره ومشحونا بالمصطلحات القانونية ، بينما يكون داخله خلل في تعريف أو إحالة أو نطاق تطبيق ، ولهذا فإن المشكلة ليست في أن الذكاء الاصطناعي " يخطئ " فالإنسان يخطئ أيضا ، بل المشكلة في أن الثقة في الآلة قد تجعل الخطأ أسرع انتشارا وأصعب اكتشافا ، وقد كشفت الوقائع القضائية الأمريكية أن المسألة ليست نظرية ، حيث عاقبت محكمة استئناف في كاليفورنيا محاميا بعد تقديم مذكرات تضمنت استشهادات قانونية مختلقة أنتجها الذكاء الاصطناعي ، وفرضت عليه غرامة مالية مع إحالته إلى نقابة المحامين وإلزامه بإبلاغ موكله ، كما وأكدت المحكمة أن المحامي يظل مسؤولا عن التحقق من دقة المراجع التي يقدمها ولا يستطيع نقل هذه المسؤولية إلى الذكاء الاصطناعي أو إلى مساعد آخر
وفي مشهد أكثر إثارة للقلق ، تنظر محكمة الاستئناف الأمريكية للدائرة الخامسة في قضية ارتبطت بأمر قضائي احتوى على أخطاء كبيرة نتجت عن استخدام أداة ذكاء اصطناعي ، فقد أقر قاض بها بأن كاتبا قضائيا استخدم إحدى منصات الذكاء الاصطناعي في إعداد أمر ، وظهرت فيه مراجع وهمية وأسماء أطراف غير صحيحة ، ما دفع محكمة الاستئناف إلى بحث مسألة إعادة إسناد القضية إلى قاض آخر ، لنستنتج من ذلك بأننا هنا لا نتحدث عن آلة تخطئ في كتابة بريد إلكتروني بل عن آلة اقتربت من النص الذي يصنع الحق وعن خطأ يمكن أن يصل إلى قاعة المحكمة ، لتبدأ المسألة الأكثر خطورة من هنا في : من يتحمل مسؤولية القانون عندما تشارك الآلة في كتابته؟ هل هو الموظف الذي استخدم الأداة؟ أم عضو الكونغرس الذي قدم المشروع ؟ أم المحامي الذي راجعه؟ أم المؤسسة التي سمحت باستخدام الذكاء الاصطناعي؟ أم الشركة التي طورت النموذج؟ أم أن المسؤولية ستبقى في النهاية على الإنسان مهما بلغ حجم الدور الذي لعبته الآلة؟
فالحقيقة هي أن الآلة لا تملك تفويضا شعبيا ، حيث لا تنتخب ولا تمثل ناخبين ولا تقف أمام الجمهور في مؤتمر انتخابي ، ولا يمكن استدعاؤها إلى جلسة مساءلة سياسية ، أو أن تتحمل العقوبة إذا كان اقتراحها قد تسبب في ظلم إنسان ، وهنا تحديدا يجب أن تبقى الحدود واضحة ، فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة في يد السلطة لكنه لا يجوز أن يصبح صاحب السلطة ذاتها ، لأن السيادة ليست سرعة في إنتاج النصوص والديمقراطية ليست مجرد القدرة على اتخاذ القرار ، فالديمقراطية في جوهرها هي معرفة من اتخذ القرار ، ولماذا ، وبأي تفويض ، ومن يتحمل مسؤوليته أمام الناس ، وهذه كلها أسئلة لا تستطيع الخوارزمية الإجابة عنها ، لان الآلة تستطيع أن تقرأ آلاف الصفحات في وقت قصير وأن تقارن بين قوانين متشابهة وتبحث عن تناقضات وتقترح صياغات بل وربما تستطيع في المستقبل أن تساعد المشرع في تحليل آلاف السيناريوهات القانونية ، لكنها لا تستطيع أن تحمل الضمير السياسي الذي يسأل : هل هذا القانون عادل؟ ، وهنا يكمن الفارق بين الذكاء والحكمة
فالذكاء يستطيع أن يجد الطريق الأسرع ، أما الحكمة فتسأل أولا : إلى أين يقود هذا الطريق؟ ، نعم القانون يحتاج الاثنين لكنه في ذات الوقت لا يستطيع الاستغناء عن الثاني ، ومن ذلك فأن أخطر ما يمكن أن يحدث في عصر الذكاء الاصطناعي ليس أن تصبح الآلة أكثر ذكاء من الإنسان بل أن يصبح الإنسان أكثر اعتمادا على ذكاء الآلة وأقل استعدادا لاستخدام حكمه الخاص ، فالتنازل عن السلطة لا يحدث دائما في لحظة واحدة ، حيث قد يبدأ بسؤال بسيط إلى روبوت ثم بمسودة ثم بمراجعة ثم باعتماد ، ثم تتحول المساعدة إلى عادة ، والعادة إلى اعتماد ، والاعتماد إلى بنية يصعب الاستغناء عنها ، وعندها لا تكون الآلة قد استولت على السلطة بل يكون الإنسان قد سلمها جزءا منها بنفسه ، لتصبح هنا تجربة الكونغرس الأمريكي أكثر من قصة عن أخطاء في مشاريع القوانين بل هي إنذار مبكر لمستقبل التشريع
فإذا كانت الأدوات الحالية لا تزال تنتج أخطاء في المصطلحات والإحالات والتعريفات ، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل المؤسسات الديمقراطية ليس فقط : كيف نجعل الذكاء الاصطناعي أكثر دقة؟ بل : كيف نضمن ألا تتحول دقته يوما إلى بديل عن المسؤولية البشرية؟ ، لأن الآلة مهما بلغت قدرتها لا تملك حق التشريع من ذاتها ، والقانون مهما أصبح رقميا يبقى في جوهره عقدا بين الإنسان والسلطة ، فقد يكون الذكاء الاصطناعي قادرا على صياغة عشرات النسخ من القانون خلال دقائق لكنه لا يستطيع وحده أن يقرر أي مجتمع نريد أن نكون لان ذلك القرار يظل بشريا وسيظل كذلك ما دامت الديمقراطية تعني أن الإنسان هو مصدر الشرعية
ولهذا فإن دخول الذكاء الاصطناعي إلى الكونغرس ليس بالضرورة خطرا في ذاته ، فالخطر يبدأ عندما يتحول من أداة تساعد المشرع إلى عقل يفوض إليه المشرع ، حيث يمكن للآلة أن تبحث وتقترح وتدقق وتحلل ، لكنها لا ينبغي أن تكون صاحبة الكلمة الأخيرة ، لأن الكلمة الأخيرة في القانون ليست مسألة تقنية بل مسألة سيادة ومسؤولية وعدالة ، ولهذا تبدو الأخطاء التي ظهرت في واشنطن أكبر من مجرد أخطاء ، إنها تذكير للإنسان بأن التكنولوجيا التي صنعها بيده يمكن أن تصبح إذا أساء استخدامها مرآة تعكس أكبر نقاط ضعفه ، في : الرغبة في السرعة ، والثقة المفرطة ، والهروب من مسؤولية القرار ، ليعود هنا السؤال إلى مكانه الأول : هل ستظل السيادة للإنسان ، أم أن الإنسان بدأ يمنح الآلة جزءا من سلطته دون أن يشعر؟
لأن التاريخ لا يكتب فقط بما يحدث الآن بل بما نسمح له أن يصبح غدا ، فإذا كان الذكاء الاصطناعي قد دخل الكونغرس اليوم ليكتب بعض النصوص فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق الغد هو : من سيكتب القانون عندما تصبح الآلة قادرة على اقتراحه وتحليله والدفاع عنه وتوقع آثاره؟ ، فحينها لن تكون المعركة بين الإنسان والآلة بل ستكون المعركة داخل الإنسان نفسه بين رغبته في أن يمتلك التكنولوجيا ورغبته في أن يتخلى لها عن بعض ما كان يملكه ، فالذكاء الاصطناعي قد يكتب القانون لكن العدالة لا يجوز أن تكتب بالخوارزمية وحدها ، لأن القانون الذي بلا مسؤولية بشرية قد يكون نصا متقنا .. لكنه لن يكون بالضرورة عادلا .