تدخل إيران هذه المواجهة وهي تمتلك مزايا هيكلية مهمة: جغرافيا استراتيجية، وعمقًا جغرافيًا واسعًا، وسيطرة على ممرات إقليمية حيوية، وحدودًا ممتدة، فضلًا عن عقود من الخبرة في التكيف مع العقوبات. وفي المقابل، تحتفظ واشنطن بقوة مالية هائلة، لكن تحويل هذه القوة إلى نفوذ استراتيجي حاسم ضد إيران يمثل مهمة أكثر صعوبة وكلفة بكثير.
على مدى عقود، استندت السياسة الأمريكية تجاه إيران بدرجة كبيرة إلى افتراض مفاده أن ممارسة قدر كافٍ من الضغط الاقتصادي يمكن أن تؤدي في نهاية المطاف إلى انتزاع تنازلات استراتيجية.
ولا شك أن العقوبات فرضت تكاليف كبيرة على إيران، إذ قيّدت قدرتها على الوصول إلى التمويل، وعقّدت صادراتها النفطية، ورفعت كلفة مشاركتها في الاقتصاد العالمي.
لكن السؤال الأكثر أهمية ليس ما إذا كانت واشنطن قادرة على إلحاق الألم الاقتصادي بإيران؛ فهي قادرة على ذلك.
السؤال الحقيقي هو ما إذا كان بالإمكان تحويل هذا الألم إلى نتائج سياسية ضد دولة تجعلها جغرافيتها وعمقها الاستراتيجي وقدرتها المتراكمة على التكيف عصية بصورة استثنائية على الإخضاع عبر
الضغط المستمر.إيران ليست مجرد اقتصاد خاضع للعقوبات، بل هي أيضًا دولة إقليمية كبرى تحتل واحدة من أكثر المناطق الجغرافية أهمية من الناحية الاستراتيجية في أوراسيا.
الجغرافيا أصل استراتيجي لإيران
تبلغ مساحة إيران نحو 1.65 مليون كيلومتر مربع، وتقع عند نقطة التقاء الخليج، والقوقاز، وآسيا الوسطى، وجنوب آسيا، والشرق الأوسط الأوسع.
وتشترك بحدود برية مع سبع دول، كما تمتلك ساحلًا طويلًا يمتد على الخليج وخليج عُمان.
وتمنح هذه الجغرافيا طهران خيارات لا تستطيع المؤشرات المالية وحدها التعبير عنها.
فالحدود الواسعة تسهّل التجارة الإقليمية، والأسواق المجاورة توفر قنوات اقتصادية بديلة، كما أن تعدد ممرات النقل يزيد من صعوبة فرض عزلة شاملة على البلاد.
كما تمتلك إيران عمقًا استراتيجيًا كبيرًا. فالجبال والتضاريس الصعبة والامتداد الداخلي الواسع والبنية التحتية الموزعة جغرافيًا تجعلها مختلفة بصورة جوهرية عن الدول الصغيرة التي تتركز أصولها الاستراتيجية في نطاق جغرافي محدود.
وبذلك، فإن جغرافيا إيران لا ترفع فقط كلفة ممارسة الضغط عليها، بل تمنح طهران أيضًا نفوذًا داخل البيئة الاستراتيجية التي يُفترض أن يجري فيها تطبيق ذلك الضغط.
التكيف أصبح قدرة استراتيجية
أفرزت عقود العقوبات أيضًا عاملًا يتعين على واشنطن أخذه في الحسبان بصورة متزايدة: الخبرة المؤسسية في العمل تحت الضغط.
فقد طورت إيران شبكات تعتمد على ترتيبات دفع بديلة، والتجارة الإقليمية، والوسطاء، والشركات الواجهة، وعمليات نقل النفط من سفينة إلى أخرى، وأساطيل الشحن التي تعمل خارج القنوات التقليدية.
كما توسعت العلاقات التجارية خارج النظام المالي الغربي التقليدي، فيما لعبت الصين دورًا بالغ الأهمية في استيعاب
صادرات الطاقة الإيرانية.
هذه الآليات مكلفة وغير مثالية.
فالالتفاف على العقوبات يرفع تكاليف المعاملات، وبيع النفط بأسعار مخفضة يقلص الإيرادات، كما أن تقييد الوصول إلى التمويل والتكنولوجيا الغربية يخلق أضرارًا اقتصادية طويلة الأمد.
لكن هذه ليست سوى نصف المعادلة.
فآليات التكيف الإيرانية لا تحتاج إلى جعل العقوبات عديمة التأثير، بل إن هدفها الاستراتيجي هو منع العقوبات من أن تصبح حاسمة.
ولا تحتاج طهران إلى إعادة إنتاج المزايا التي كانت ستحصل عليها من الاندماج غير المقيد في الاقتصاد العالمي؛ بل تحتاج فقط إلى الحفاظ على مستوى كافٍ من النشاط الاقتصادي يسمح لها بالحفاظ على استقلالها الاستراتيجي.
وبعد عقود من العقوبات، أصبح التكيف نفسه أصلًا استراتيجيًا.
موقع إيران يجعل احتواء الضغط أكثر صعوبة
أظهرت الاضطرابات البحرية الأخيرة، في الوقت نفسه، قوة وحدود سياسات الضغط المتصاعد.
فقد
تراجعت عمليات تحميل النفط الخام والمكثفات الإيرانية بصورة حادة وسط أزمة أوسع شملت جهودًا أمريكية لتقييد الصادرات، وعمليات حصار، وتصعيدًا عسكريًا، وانعدامًا للأمن في طرق الملاحة بالخليج.
ومن الواضح أن التعطيل المادي يمكن أن يفرض ضغوطًا تتجاوز تأثير العقوبات المالية التقليدية.
إلا أنه يغيّر أيضًا الجغرافيا التي تدور فيها المواجهة.
فمضيق هرمز ليس مجرد مسار لصادرات إيران، بل هو شريان حيوي لنظام الطاقة العالمي.
ويمكن لاستمرار عدم الاستقرار حول المضيق أن يؤثر في منتجي الطاقة بالخليج، والمستوردين الآسيويين، وشركات الشحن، وأسواق التأمين،
وأسعار الطاقة العالمية.
وهنا تظهر إحدى أهم المزايا الجيوسياسية التي تمتلكها إيران: من الصعب حصر تداعيات الضغط المفروض عليها داخل حدودها وحدها.
فكلما انتقل الضغط من القيود المالية إلى فرض السيطرة البحرية والردع العسكري، ازداد عدد الأطراف التي يمكن أن تتأثر بالمواجهة.
وما يبدأ كمحاولة لتقييد إيرادات إيران قد يتحول إلى مصدر تكاليف على أسواق الطاقة، والاقتصادات المجاورة، والدول التي تحتاج واشنطن نفسها إلى تعاونها.
سطوة المسافة
هناك عامل آخر غير متكافئ غالبًا ما تغفله المقارنات التقليدية بين القوة الاقتصادية الأمريكية والإيرانية.
إيران تعمل داخل بيئتها الاستراتيجية المباشرة.
أما الولايات المتحدة، فعليها إسقاط قوتها إلى تلك البيئة من مسافات تمتد لآلاف الكيلومترات.
تمتلك واشنطن تفوقًا هائلًا في القدرات العسكرية التقليدية، لكن الحفاظ على إسقاط القوة لفترات طويلة يتطلب ما هو أكثر بكثير من امتلاك أسلحة متفوقة.
فهو يحتاج إلى قواعد إقليمية، وانتشار بحري، ودفاع جوي وصاروخي، وقدرات استخبارات ومراقبة، وخدمات لوجستية، وعمليات تزويد بالوقود، وحماية للأفراد، وأمن بحري، وتعاون من الشركاء الإقليميين.
وهذه هي سطوة المسافة: فالتفوق العسكري لا يختفي كلما ازدادت المسافة، لكن الحفاظ عليه يصبح أكثر تعقيدًا وكلفة كلما ابتعدت ساحة العمليات وطالت مدة إسقاط القوة إليها.
أما إيران، فتعمل انطلاقًا من أراضيها وعلى مقربة من المسارح التي سيحدث فيها التصعيد.
ولا يمنحها ذلك تكافؤًا عسكريًا مع الولايات المتحدة، لكنه يخلق شيئًا مختلفًا استراتيجيًا: تفاوتًا في كلفة الصمود والاستمرار.
«الضغط الأقصى» ليس بلا كلفة على واشنطن
ينطبق المبدأ نفسه على العقوبات.
فإدراج كيان إيراني على قائمة العقوبات لا يكلف واشنطن الكثير نسبيًا.
لكن الحفاظ على منظومة قادرة على تحويل تلك العقوبات إلى ضغط استراتيجي مستدام أمر مختلف تمامًا.
فعندما تستبدل إيران السفن والوسطاء والشركات وقنوات الدفع الخاضعة للعقوبات ببدائل جديدة، يتعين على واشنطن تحديد تلك البدائل وفرض القيود عليها أيضًا.
وهكذا، يتطلب تطبيق سياسة
«الضغط الأقصى» بصورة فعالة قدرًا متزايدًا من الاستخبارات المالية، والمراقبة البحرية، والعقوبات الثانوية، والضغط الدبلوماسي على الدول الأخرى، وفي ظروف التصعيد، نشر أصول عسكرية لحماية القواعد ومسارات الملاحة.
وبالتالي، فإن التكاليف غير متكافئة لكنها ليست أحادية الجانب.
إيران تتحمل الضغط الاقتصادي، فيما يتعين على واشنطن أن تموّل باستمرار البنية التي تنتج ذلك الضغط، وتفرضها، وتحميها، وتحافظ على الدعم السياسي لها.
وتزيد الصين من تعقيد هذه المعادلة.
فبكين لديها مصلحة في استقرار تدفقات الطاقة عبر الخليج، لكنها لا تمتلك حافزًا استراتيجيًا لقبول نظام إلى أجل غير مسمى تحدد فيه واشنطن الموردين الذين يُسمح للشركات الصينية بالتعامل معهم.
كما أن للدول الإقليمية حساباتها الخاصة، ولا سيما عندما تهدد المواجهة الطويلة حركة الملاحة وصادرات الطاقة والاستثمارات أو الاستقرار الاقتصادي الداخلي.
ومن ثم، تعتمد سياسة «الضغط الأقصى» على ما هو أكثر من مجرد القوة الاقتصادية الأمريكية.
فهي تحتاج إلى منظومة متكاملة من الإنفاذ، والوجود العسكري، وامتثال الدول الأخرى، وقبول جيوسياسي واسع.
من التفوق المالي إلى القدرة على الصمود الاستراتيجي
هنا يتغير السؤال المركزي.
القضية ليست ما إذا كانت الولايات المتحدة تستطيع مواصلة فرض العقوبات على إيران.
فهي تستطيع ذلك، وربما لسنوات طويلة.
لكن السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت واشنطن تستطيع الحفاظ على العقوبات بالشدة اللازمة لإنتاج تنازلات استراتيجية.
فالضغط المطول يخلق منافسة ديناميكية.
كل طبقة جديدة من إجراءات الإنفاذ تزيد التكاليف على إيران، لكنها في الوقت نفسه تخلق دوافع إضافية للتكيف.
يظهر وسطاء جدد، وتتغير طرق التجارة، وتتطور وسائل الدفع، وتتعمق العلاقات مع الشركاء غير الغربيين.
ويمكن لواشنطن تشديد إجراءات الإنفاذ مرة أخرى، لكن ذلك يتطلب جهدًا إضافيًا.
وقد تكون النتيجة عوائد استراتيجية متناقصة: إذ قد تصبح عمليات الإنفاذ أكثر تعقيدًا وكلفة، في مقابل مكاسب أصغر تدريجيًا من حيث
النفوذ السياسي.
لذلك، لا تحتاج إيران إلى مجاراة الولايات المتحدة اقتصاديًا.
ولا تحتاج كذلك إلى إزالة الكلفة الاقتصادية للعقوبات.
ما تحتاج إليه هو منع هذه التكاليف من أن تتحول إلى عامل حاسم استراتيجيًا.
وهذا فارق جوهري.
التوازن الذي يهم
تعاني إيران من نقاط ضعف اقتصادية، لكنها تمتلك في الوقت نفسه مزايا لا تستطيع العقوبات محوها بسهولة: الجغرافيا الاستراتيجية، والعمق الجغرافي، والقرب الإقليمي، والحدود الواسعة، والوصول إلى فضاءات بحرية حيوية، وعقودًا من الخبرة المتراكمة في التكيف.
أما الولايات المتحدة، فتمتلك قدرات مالية وعسكرية تقليدية متفوقة.
لكن يتعين تحويل هذه القدرات إلى ضغط فعلي على بعد آلاف الكيلومترات، والحفاظ عليها عبر تطبيق العقوبات، والانتشار العسكري، وتأمين الملاحة، والتنسيق الدبلوماسي، والحصول على تعاون الدول الأخرى.
ولهذا لا يمكن فهم المواجهة ببساطة باعتبارها قوة أمريكية في مواجهة ضعف إيراني.
الأدق هو النظر إليها بوصفها مواجهة بين القوة المالية والجغرافيا الاستراتيجية، وبين القدرة على الإكراه والقدرة على التكيف، وبين المسافة والقرب؛ وفي نهاية المطاف بين شكلين مختلفين من أشكال القدرة على الصمود.
قد تمتلك واشنطن الأدوات المالية الأقوى، لكن طهران تمتلك شيئًا لا تستطيع العقوبات محوه بسهولة: الجغرافيا، والعمق الاستراتيجي، والقرب الإقليمي، وعقودًا من الخبرة المتراكمة في التكيف.
وكلما طال أمد الحاجة إلى تطبيق «الضغط الأقصى» عبر الانتشار العسكري والسيطرة البحرية والعقوبات الثانوية وإدارة التحالفات، انتقلت طبيعة المواجهة بصورة أكبر من التفوق المالي إلى الصمود الاستراتيجي.
وفي هذه المواجهة، ليست إيران مجرد هدف للضغط.
فجغرافيتها تجعلها متغيرًا فاعلًا في تحديد مدى كلفة ذلك الضغط، وقابليته للاستمرار، وفعاليته في نهاية المطاف.