انهيار المفاوضات التجارية بين كندا والولايات المتحدة يحمل تحذيراً صارخاً للعالم أجمع: محاولة التوصل إلى اتفاق عادل مع الإدارة الأمريكية الحالية قد تكون محض خيال. رفض رئيس الوزراء الكندي مارك كارني صفقة أخيرة رأى فيها تهديداً لسيادة بلاده، ليعلن بعده عن حرب تعريفية شاملة.
يرى خبراء أن انهيار المفاوضات التجارية بين كندا والولايات المتحدة بشكل مذوٍ يشكّل درساً مرّاً للدول في أرجاء العالم: الحوار مع الإدارة الأمريكية الحالية قد يكون محكوماً بالفشل من البداية.
قالت أندريا لولور، أستاذة العلوم السياسية بجامعة مكماستر في أونتاريو: "بغض النظر عن عمق العلاقات التاريخية، أرسلت الإدارة الأمريكية إشارة واضحة: مصالحها تأتي فوق أي تنسيق اقتصادي عالمي أو توافق. يبدو أن هذه المحادثات انهارت، لكنني لست متأكدة من أن هناك نجاحاً كان ممكناً من الأساس".
دخل البلدان في حرب تعريفية متصاعدة بعد أسابيع من المفاوضات المكثفة انهارت قبل دقائق من موعد الجمعة منتصف الليل بتوقيت الساحل الشرقي (الخامسة صباحاً بتوقيت غرينتش)، حين فرضت واشنطن رسوماً بنسبة 50 في المائة على سلع كندية بقيمة 20 مليار دولار.
أعلن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني الجمعة رفضه الصفقة، معتبراً أن الطلبات الأمريكية الأخيرة كانت تنال من سيادة كندا. قال: "طلبوا أكثر مما يستحقون وعرضوا أقل بكثير... إنك تكون في حالة حرب حين تُهاجَم، وقد تعرضنا للهجوم". وتعهد بمواجهة الرسوم الأمريكية "دولاراً بدولار".
كان دونالد ترامب قد أعلن عن هذه الرسوم في 20 يوليو الماضي، متهماً كندا بالتمييز غير العادل ضد الشركات الأمريكية.
يركز البيت الأبيض على مثال أساسي: حظر كندا بيع المشروبات الكحولية الأمريكية في ثمان من أصل عشر مقاطعات وفي أقاليمها الثلاثة جميعاً. دخل هذا الحظر على الويسكي والنبيذ والبيرة الأمريكية حيز التنفيذ بعد الجولة الأولى من الرسوم التي فرضتها واشنطن على كندا في أوائل 2025.
جاء انهيار المفاوضات كصدمة للجميع. فقد أعلن ترامب يوم الثلاثاء عن تمديد المهلة ثلاثة أيام إضافية، مؤكداً أن اتفاقاً كان على وشك التوقيع. وأخبر الصحافيين الأربعاء أن "صفقة عادلة جداً" لكلا الطرفين جاهزة.
لكن مع تسرب تفاصيل الاتفاق إلى وسائل الإعلام الكندية، بدأت تساؤلات مقلقة حول ما إذا كان كارني ومفاوضوه يتنازلون عن الكثير جداً مقابل خفض رسوم على الفولاذ والألمنيوم والسيارات.
أكد حاكم مقاطعة مانيتوبا واب كينيو وحاكم نوفا سكوتيا تيم هيوستن هذا الأسبوع أن كارني طلب من المقاطعات إعادة المشروبات الكحولية الأمريكية إلى الرفوف لإبرام الاتفاق التجاري.
قال كينيو للصحافيين إنه يعتقد أن كندا "يجب أن تقاتل" ترامب، وأنه "لا يمكن التوصل إلى صفقة حسنة مع شخص سيء". وشجع الكنديين على تجنب شراء المشروبات الكحولية الأمريكية، حتى لو وافقت الولايات على إعادة طرحها.
ظهرت مخاوف من الاستسلام لترامب أيضاً خلال اتصال برئاسة السفير الكندي لدى الولايات المتحدة مارك وايزمان مع مجلس التجارة الكندي الأمريكي.
كشفت مصادر لمحطة الإذاعة الكندية أن كبير مفاوض كندا السابق ستيف فيرهيول حذّر في الاتصال من أن التنازلات الآن ستفضي فقط إلى طلبات أمريكية جديدة لاحقاً.
سُجِّل نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس وهو يسخر على ما يبدو من كارني لتراجعه عن "قضايا عديدة" أثناء المفاوضات في حدث خاص.
بدلاً من ذلك، اتخذ كارني قراراً درامياً بإعادة فريق مفاوضيه إلى أوتاوا، دون جدولة لقاءات جديدة، وشن هجوماً حاداً على ترامب، الذي ردّ بأن كندا تريد "مزايا كونها ولاية دون أن تكون واحدة".
تشمل السلع المعنية بهذه الرسوم الضخمة كل شيء من معاطف الصوف إلى زينة أشجار عيد الميلاد.
ترى لولور أن كندا ستعود سريعاً إلى طاولة المفاوضات نظراً للتأثير الاقتصادي المحتمل للرسوم. لكنها تؤكد أن أي تفاوض مع إدارة ترامب يجب أن يُفهم على أنه عُرضة للانهيار في أي لحظة. قالت: "نحن في حالة تدفق مستمر، حيث حتى الاتفاقات التي تنتج عن مفاوضات لا ينبغي أن تُعتبر ملزمة للأبد".