وسط الهجمات الإيرانية المتكررة والانتقادات المحلية المتزايدة، يختار ملك الأردن عبدالله الثاني الابتعاد عن الأضواء، متخليًا عن أسلوبه الإعلامي المعهود منذ توليه العرش. يبدو أن الملك يعتقد أن الصمت هو أفضل استراتيجية للدفاع عن تحالفه المثير للجدل مع واشنطن.
في أكبر هجوم شنته دولة على الأراضي الأردنية منذ خمسين سنة، أطلقت إيران مئات الصواريخ الباليستية والطائرات بدون طيار على المملكة الهاشمية منذ فبراير الماضي. وسُجلت إصابات في السابع عشر من يوليو عندما أسفر هجوم إيراني عن مقتل ثلاثة جنود أمريكيين في قاعدة مويفق الصالتي الجوية بالأزرق. غير أن الملك عبدالله الثاني امتنع عن إلقاء خطاب أو عقد مؤتمر صحفي بشأن هذه الحادثة. بل إنه، وسط نقاش متصاعد حول الشراكة الأمنية الأردنية مع واشنطن، لم يدلِ بأي تعليق على الهجوم حتى الآن، ولم يقدم أي دفاع علني عن سياساته. بدلاً من ذلك، غادر عبدالله الأردن لمدة أسبوع في يوليو وزار المملكة المتحدة دون أن يلتقي برئيس الحكومة. وهذا الأسبوع، يقوم الملك بجولة في الصين.
ما الذي يفسر هذا النهج البعيد والغامض من جانب الملك، والذي يقف في تناقض صارخ مع استراتيجيته الإعلامية المرموقة منذ توليه السلطة عام 1999؟ قد يكون السبب أن الملك، الملتزم بالحفاظ على روابط قوية مع حليف يثير سخط الرأي العام، قد توصل إلى استنتاج مؤداه أن الحفاظ على الصمت هو الاستراتيجية الأفضل.
ينتقد عدد كبير من الأردنيين استعداد عبدالله لاستضافة آلاف الجنود الأمريكيين على أراضيه. وبقيادة الوزير السابق أمجد الماجالي، وقّع مئات الأشخاص رسالة في يوليو تطالب بطرد القوات الأمريكية، معتبرين أن الجنود الأجانب يجرون عمّان بلا ضرورة نحو نزاع إقليمي. وبحسب استطلاع حديث، لا يرى سوى 12 بالمئة من الأردنيين بنظرة إيجابية السياسات الخارجية لرئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب. وعندما طلب النائب علي الخلايلة من البرلمان أن يقدم واجب العزاء للجنود الذين لقوا حتفهم، رُفضت الاقتراحية؛ حيث وصف أعضاء البرلمان القوات الأمريكية بـ "مجموعة من القتلة" لدعم واشنطن لإسرائيل خلال حرب غزة.
هذا بالطبع هو رد الفعل الذي تسعى إيران لاستفزاز الرأي العام الأردني لتحقيقه من خلال هجماتها الصاروخية واستفزازاتها الموجهة لعمّان. في الوقت الراهن، لا توجد أدلة كثيرة على أنها ستفلح في ذلك. فطوال عقود، وفرت المحالفة الأردنية مع واشنطن للملك حوالي 1.5 مليار دولار من المساعدات السنوية وأسلحة متطورة. من المستبعد جداً أن يقدم عبدالله على خطوة استثنائية بطرد القوات الأمريكية، وأن يخاطر بسخط ترامب، حتى وإن تصاعد الاستياء العام.
الملك عبدالله لن يغادر مكانه. لكن انخفاض رؤيته الإعلامية يعكس واقع أن النظام الملكي لا يملك حلولاً جيدة للمشاكل المتراكمة التي يواجهها الأردن.
لم يبدأ تجنب عبدالله للأضواء مع حرب إيران. في العام الماضي، اتخذ الأردن خطوة غير مسبوقة بحظر جماعة الإخوان المسلمين. واتهمت السلطات الأردنية أكبر تنظيم معارض مؤثر في المملكة بالإضرار بالأمن الوطني، فصادرت أصول الجماعة وداهمت مقرها. وبرغم أن الجبهة الإسلامية للعمل، التي تُعتبر تاريخياً الجناح السياسي للإخوان، فازت بأكبر عدد مقاعد في الانتخابات البرلمانية عام 2024، إلا أن عبدالله لم يعلق علناً على حملة القمع عام 2025 ضد المنظمة، ولم يوضح للأردنيين سبب ضرورة هذا التصعيد.
لم يكن الحاكم الهاشمي دائماً متحفظاً بهذه الدرجة. ऐ عام 1999، سنته الأولى كملك، طرد عمّان كبار قيادات حماس من المملكة، وهي خطوة مثيرة للجدل باعتبار أن حوالي نصف سكان الأردن من أصول فلسطينية. لم يتردد عبدالله عن شرح السياسة، حيث قال لمجلة الحوادث اللبنانية إن القيود على حماس تم تطبيقها بعد العثور على أسلحة في مكاتب الحركة الفلسطينية المسلحة.
قبل غزو إدارة بوش للعراق عام 2003 بفترة قليلة، ألقى الحاكم الهاشمي خطاباً مبدئياً وضح فيه معارضته لحرب العراق رغم اعتماد بلاده على المساعدات الأمريكية. وقبل عقد من الآن، قدّم عبدالله واجب العزاء.
🔗 شارك المقال
الوسوم:#الأردن#الملك عبدالله الثاني#العلاقات الأمريكية الأردنية#إيران#الشرق الأوسط#السياسة الخارجية