شهد عدد قليل من المحظوظين كسوف الشمس الكلي من قمة كاتدرائية سيغوفيا التاريخية، حيث غطى القمر الشمس تماماً لمدة 59 ثانية مذهلة. اللحظات القصيرة تركت أثراً عميقاً في نفوس الشاهدين، مزجت بين الرهبة والخوف والدهشة من هذه الظاهرة الكونية النادرة.
ثمة لحظات نادرة في الحياة يتوقف فيها الزمن بفعل حدث استثنائي، يطلق العنان لموجة من المشاعر تحوّل الإنسان في تلك اللحظة بذاتها.
شهدت إسبانيا يوم الأربعاء مساءً ظاهرة فلكية نادرة حين غطى كسوف شمس كلي مساحات واسعة من أراضيها. وكان الحظ حليف حفنة قليلة من الناس تجمعوا فوق قمة كاتدرائية "افتراض العذراء والقديس فروتوس" المهيبة في سيغوفيا، التي تطل على المناظر الطبيعية الوعرة لمنطقة قشتالة ليون.
قلة معدودة فقط توفر لها الامتياز بالصعود إلى برج الجرس من القرن السادس عشر، عابرة بوابات وأبواباً تبقى مغلقة أمام الجمهور في هذا الوقت من اليوم. وكان عليهم أن يتسلقوا 190 درجة سلم للوصول إلى القمة العالية على أقدامهم.
لم تشكل رحلة الصعود 90 متراً إلا مجرد عملية شكلية بالنسبة لمينوس، الذي سافر من مالمو بالسويد مع أخته ميشيل لمشاهدة "كسوف العمر". وبينما بدأ القمر يحجب الشمس، كان متحمس الفلك يعد دقائق التوقيت بلهفة تجاه لحظة الكسوف الكلي—اللحظة التي تختفي فيها الشمس تماماً عن الأنظار.
"عشر دقائق المتبقية" أعلن مينوس بفخر، مخرجاً كاميرا متطورة مجهزة بمرشح شمسي، هدية من والدهما لهذه المناسبة الخاصة جداً.
توجه الزوجان السويديان مثل آلاف مطاردي الكسوف الآخرين من مدريد عبر سلسلة جبال سييرا دي غوادارّاما الخلابة للوصول إلى سيغوفيا، التي تشتهر بقنائها الرومانية الشهيرة وقلعة ألكاثار المهيبة، التي يقال إنها ألهمت استوديو ديزني في تصميم قلعة الثلج البيضاء.
هذه الكنوز المعمارية لم تكن سوى جزء من حياة السكان المحليين اليومية، وهم شكّلوا أغلبية الحفنة المحظوظة التي تجمعت على قمة الكاتدرائية. من بينهم الزوجان السيغوفيان كيلي وياغو، اللذان شاهدا المشهد الفلكي إلى جانب أقارب وغرباء وكاهن، نظارات الكسوف محكمة على عيونهم وأنظارهم معلقة بالشمس التي تتقلص تدريجياً.
الساعة الثامنة والنصف مساءً، أطلقت الأجراس نداءها معلنة اللحظة التي سيحجب فيها القمر الشمس تماماً. "إنه يسوع يرن لنا!" مازح الكاهن، ما أثار موجة من الضحك العام.
"يا إلهي... يا إلهي!" كررت كيلي تلك الكلمات وهي تنحدر الظلمة وصمت غريب على هذه المدينة العريقة، سرعان ما حل محله التصفيق من الحشد المتجمع عند سفح البرج.
الرهبة والخوف
في اللحظات التسع والخمسين من الكسوف الكلي، كان من الصعب تحديد ما إن كانت اللحظة قد مرّت سريعة أم أن كل ثانية قُدِّرت بقيمتها كتجربة فريدة بذاتها.
وكان بنفس الصعوبة تفسير تعاقب المشاعر على وجوه الناس وهم يحدقون في هذا الالتقاء السماوي.
كانت هناك الدهشة والإعجاب حين ظهرت هالة الشمس بكل روعتها، لكن أيضاً قلق من إمكانية إضرار العينين، وخوف من عدم الاستمتاع بكل جزء من لحظة سريعة الزوال قد لا يشهدها الكثيرون مجدداً.
"سأتذكر هذا طوال حياتي" قال ياغو بينما كانت شريكته المذهولة تمسح الدموع التي غمرت زوايا عينيها. "إنها تجربة لا يمكنك تخيلها حتى تعيشها بنفسك" أضاف.
تحدث ياغو عن الأقدمين الذين كانوا ينظرون إلى الكسوفات كنذير شؤم أو علامة من غضب الآلهة، وكانت تلك التجارب لهم مصدراً للرهبة والخوف معاً.
العلم اليوم يقدم تفسيراً بسيطاً لسبب اختفاء الشمس مؤقتاً. لكن حين تحدق في كسوف شمس كلي لمدة 59 ثانية، لا يسعك إلا أن تفهم الدوار الذي عاناه أسلافنا الذين كانوا يرفعون أنظارهم للسماء دون أن يعرفوا ما إذا كانت نجمتنا ستعود يوماً.