دولي🌐 Available in English٢٢ آب ٢٠٢٦

إسرائيل وتركيا وإعادة صياغة المنطقة الإقليمية

إسرائيل وتركيا وإعادة صياغة المنطقة الإقليمية
Al Jazeera
Al Jazeera
Al Jazeera
المصدر الأصلي

يعكس الهجوم الإسرائيلي على قاعدة أبو الظهور السورية انزياحاً جذرياً في ديناميكيات العلاقة بين تركيا وإسرائيل، ويشير إلى إعادة ترتيب إقليمية أصبحت فيها إسرائيل لم تعد في مركز الصورة. تنسحب تركيا من رؤية إسرائيل عبر عدسة القضية الفلسطينية وحسب، بل تراها الآن كتهديد مباشر لأمنها القومي.

شنّت الطائرات الحربية الإسرائيلية يوم الثلاثاء هجوماً على قاعدة أبو الظهور الجوية بشمال غرب سوريا، مما استدعى إدانات من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والأمم المتحدة والدول الإقليمية. وادّعت الحكومة الإسرائيلية أن لديها معلومات استخباراتية بشأن تحركات عسكرية تركية باتجاه الموقع.

قال السفير الأمريكي لدى تركيا والمبعوث الخاص لسوريا توم باراك في مقابلة لاحقة إن واشنطن تلقت هذه المعلومات من الإسرائيليين قبل الهجوم بستة أيام. غير أن جهاز الاستخبارات الأمريكي أجرى تحقيقاته الخاصة ولم يجد أي أساس لهذا الادعاء.

لا يعكس الحادث فقط تحولاً في ديناميكيات العلاقة بين تركيا وإسرائيل، بل يشير أيضاً إلى إعادة ترتيب إقليمية لم تعد إسرائيل فيها مركز الاهتمام.

الرد التركي

رأت أنقرة في الهجوم الإسرائيلي على القاعدة السورية استفزازاً، فامتنعت عن التصعيد وقدّمت بدلاً من ذلك مخرجاً من الأزمة. صاغت القضية ليس في إطار ثنائي بل كقضية بين إسرائيل والولايات المتحدة، وبين إسرائيل والإجماع الإقليمي والدولي.

عادة ما توجد آلية منع تصعيد بين تركيا وإسرائيل. لكن كما أشار باراك في المقابلة، لم تحذّر إسرائيل تركيا من الهجوم، وهو ما كان يمكن أن يستفزّ رداً عسكرياً.

دعا المبعوث الأمريكي لإنشاء آلية منع تصعيد، لكن هذه المبادرة لا يمكنها أن تكون فعّالة إلا إذا أردت الأطراف ذلك. في هذه الحالة، لا يوجد دليل على أن إسرائيل سعت للتهدئة. بل يبدو أن التصعيد كان الهدف المقصود، حيث لم تخطر إسرائيل لا تركيا ولا الولايات المتحدة بالهجوم وتصرّفت بناء على ذريعة لم تجد الاستخبارات الأمريكية لها أي أساس، وهي حيلة لتعزيز الحملة الانتخابية لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

بعد فترة الهدوء التي فرضتها الولايات المتحدة على الجبهة الإيرانية، يسعى نتنياهو على الأرجح للتصعيد على جبهات أخرى سواء في سوريا أو لبنان أو غزة مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية. التحدي أمام تركيا يكمن في عدم الانجرار للعبة نتنياهو والحيلولة في الوقت نفسه دون تطبيع مثل هذا العدوان.

هذا يتطلب تدخلاً مباشراً من الرئيس دونالد ترامب لكبح جماح نتنياهو. وفي الحقيقة، لا يمكن لآلية منع تصعيد ثلاثية الأطراف أن تعمل وتتمتع بمصداقية إلا إذا رمت الولايات المتحدة ثقلها الحقيقي وراءها.

لكن حتى لو وُضعت آلية كهذه، فلن يغيّر الحقيقة بأن سوريا غيّرت العدسة التي ترى بها تركيا وإسرائيل بعضهما. ظل جوهر عدم الرضا التركي عن إسرائيل لفترة طويلة يدور حول القضية الفلسطينية، وبالتالي كان طابعه إنساني وهوياتي وتضامني بشكل أساسي.

اليوم، ترى أنقرة في المحاولات الإسرائيلية لتقويض الانتقال السوري تداعيات مباشرة على أمنها القومي. وبالتالي، لم تعد تركيا ترى إسرائيل من خلال عدسة القضية الفلسطينية وحدها. بل إنها تراها بشكل متزايد كتهديد لأمنها القومي، حيث يهدد التعديلية الإسرائيلية الإقليمية مصالحها.

الإجماع الدولي حول سوريا

من شرق المتوسط إلى القرن الأفريقي والشرق الأوسط الأوسع، لتركيا وإسرائيل سياسات متعارضة وأولويات وتصورات تهديدات مختلفة. غير أن سوريا تعكس نماذج من رؤى تركيا وإسرائيل للنظام الإقليمي.

تريد أنقرة أن تكون دولتها الجنوبية مركزية وثابتة وقادرة عسكرياً. بالمقابل، تريد إسرائيل سوريا ضعيفة ومجزأة وخالية من قدرة عسكرية جدية.

غير أن هذا ليس مجرد تضارب بين رؤى تركيا وإسرائيل. إسرائيل تتعارض مع الإجماع الإقليمي والدولي بشأن سوريا. أيّدت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأوروبا والدول الإقليمية جميعاً حكومة دمشق مركزية وثابتة. بطريقة ما متناقضة، ربما تكون إيران هي الدولة الإقليمية الوحيدة الأخرى التي تريد سوريا ضعيفة أو فاشلة.

مثل أي دولة سيادية أخرى، ستمتلك سوريا جيشاً. إذا اعتقدت إسرائيل أن الطريقة الوحيدة لضمان أمنها هي إبقاء الدول المجاورة أو الإقليمية ضعيفة ومجزأة وخالية من القدرات العسكرية، فهذه وصفة للحروب الدائمة والعزلة الإقليمية والدولية.

إضعاف الدولة السورية وفشل انتقالها سيمهد السبيل أمام الجهات الفاعلة غير الحكومية والتطرف، وهو ما سيكون سيئاً لكل المنطقة، بما فيها إسرائيل. في الحقيقة، يجب أن تكون الأوضاع في لبنان المجاور درساً تحذيرياً. الاحتلال الإسرائيلي وضعف الدولة اللبنانية هما ما ولّدا وعزّزا حزب الله.

ما بعد اتفاقيات إبراهيم

تتعارض رؤى إسرائيل وتركيا للنظام الإقليمي أيضاً. وثيقة مكة الأخيرة، التي جمعت بين تركيا والسعودية وباكستان، ليست معادية بطبيعتها لإسرائيل. غير أنها تمثل انزياحاً إقليمياً يشير إلى فشل النظام الذي تصورته اتفاقيات إبراهيم، أو مبادرات مماثلة مثل ممر الهند والشرق الأوسط وأوروبا الاقتصادي أو الشراكة الاستراتيجية بين الهند وإسرائيل والإمارات والولايات المتحدة المعروفة باسم "آي تو يو تو".

كانت رؤية إبراهيم للنظام الإقليمي مبنية على التطبيع العربي الإسرائيلي والتعاون تحت المظلة الأمنية الأمريكية. كانت الاحتواءات الصارمة لإيران والمرنة لتركيا وتقليل الأهمية المعطاة للقضية الفلسطينية جزءاً من الرؤية ذاتها.

بطبيعتها، تعلقت رؤية إبراهيم بإسرائيل وتطبيعها الإقليمي أكثر مما تعلقت بحاجات وأولويات الدول العربية.

غير أن إسرائيل، بسياساتها العدوانية والتعديلية، عمّقت احتمالية عزلتها الإقليمية وزادت تكاليف أي تطبيع وأرسلت برقية الوداع إلى رؤية إبراهيم أو الرؤية الموالية لإسرائيل للنظام الإقليمي.

لا تقوّض التعديلية الإسرائيلية فقط العلاقات بين إسرائيل والدول الإقليمية الكبرى، بل تكشف أيضاً الفجوة بين إسرائيل والولايات المتحدة بشأن إعادة ترتيب المنطقة.

في حين تعارض إسرائيل وثيقة مكة، رحّب ترامب بها، ربما لأنه رآها متسقة مع استراتيجيته في تقاسم الأعباء وتحويلها إلى الحلفاء الإقليميين، وأنها تتمتع بشرعية وقبول إقليميين أكبر. قد يعكس الموقف الأمريكي أيضاً إعادة معايرة لرؤية واشنطن الإقليمية.

خلال العقد الماضي، استثمرت الولايات المتحدة بكثافة في بناء نظام إقليمي مبني على إسرائيل والدول الخليجية العربية. غير أن هذا كان في الأساس مشروعاً موالياً لإسرائيل للنظام الإقليمي.

هذه الرؤية لم تعد قابلة للاستمرار، وليس أحد أكثر مسؤولية عن سقوطها من إسرائيل نفسها.

🔗 شارك المقال

الوسوم:#إسرائيل#تركيا#سوريا#إعادة ترتيب إقليمي#الشرق الأوسط#السياسة الدولية
المصدر: Al Jazeera

لفهم السياق

قراءات مرتبطة بنفس الملف أو آخر تطوراته